الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٩ما يجوز القسم به، ولهذا قال - عليه السلام -: «لا تحلفوا إلا بالله»(1)، وإذا كان كذلك وجب أن يعلم أنه ليس [الفيل بأدل عليه من الذباب](2)، ولا السموات بأدل عليه من الأرض، وإذا كان كذلك فبأي شيء حلف من مخلوقاته يجري مجرى واحدا، إذا كان المراد به ما فيه من آثار الصنعة، وكلها في هذا الباب تجري مجرى واحدا، وإنما يحلف بما كان القوم أعرف به، وهو عندهم أعجب ولديهم آنس، ومن ذلك ما ذكروا أن الله تعالى وصف أطعمة الجنة وأشربتها وأكسيتها، وهي دون ما في الدنيا من فنون الأطعمة، وضروب الأشربة، وصنوف الأكسية؛ وذلك لأنه ذكر من الأطعمة لحم طير، وهو شيء مرغوب عنه؛ إذ لا يرغب في أكله دائما وإنما يرغب فيه الحين بعد الحين، وذكر من الأشربة أنهارا من لبن، وأنهارا من خمر، وأنهارا من عسل، وأنهارا من ماء، واللبن والعسل قلّ ما يشتهى، وكذلك الخمر يرغب عنها كلّ عاقل لبيب، /211/ وأمّا الماء فإنما يشتهى؛ لتسكين العطش، وذكر من الأكسية السندس وهو فرش [لا كسوة](3)، وإستبرق وهو الديباج الغليظ؛ لأن الإستبرق معرب وأصله استطبر، وهو يخفو عن البدن.
الجواب: إن الواجب أن يُعلم أن الرغبة إنما تقع في المعلوم المعتاد، والتشهي إنما يكون بما وقع تحت الحواس الخمس وألِفَه الإنسان، ولذلك تقل شهوة الإنسان للفواكه الرطبة في أيان انقضائها وفنائها، وتجوز شهوته لذلك عند أيانها
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأيمان والنذور، رقم: 3248؛ والنسائي، كتاب الأيمان والنذور، رقم: 3769؛ وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب الأيمان والنذور، رقم: 15921.
(2) ث: القتل بأدل عليه من الديات.
(3) ث: إلا كسوة.