الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٣﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:67]، وكذلك قوله: ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:19]، قالوا وهذا يقتضي أنه تحلّه الأعراض وتحدث فيه، وأنّ النسيان يلحقه، وهذا يوجب كونه ضعيفا عاجزا.
الجواب: إن حدوث الأعراض وحلولها فيه مما يستحيل، فأمّا النسيان فقد يستعمل بمعنى ترك الإكرام من التعطف، فيقال: لا ينسى لمن يريد منه إعطاء مال؛ أي: لا تبخسني حظي، /215/ وقد يستعمل بمعنى الإعراض عن ذكره، وقد يستعمل بمعنى العقوبة على النسيان، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وإذا كانت محتملة هذه الوجوه سقط التعلق.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:56]، قالوا: فأخبر أنه يخلق لهم جلودا غير الأول، وتلك الجلود لم يكن لهم في حال عصيانهم، فتعذيبها ظلم.
الجواب: على وجهين: أحدهما: أنّ الجلود لا تحسّ ولا تألم، ومتى ما جربت وجدت الأمر، وإذا كان كذلك لم يلحقها العذاب فسقط التعلق. وثانيها: أنه تعالى ليس يعني أنه خلق لهم جلودا غير الأول، ولكن يجددها بأن يعيدها إلى الحالة الأولى، والشيء متى ما جعل على حالة سوى حالة، يقال: إنه بدله شيئا غير الأول.
ومن ذلك قوله تعالى وصف نفسه بأنه أرحم الراحمين، وأنه متفضل على الكل بما لا يحصى، ثم أبطل هذا كله بقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف:179]، وأخبر أنه منع الأكثر من الإيمان وصرفهم عن الانقياد بقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:7]، وبقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس:9] الآية، وبقوله: