الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٤﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:26]، وبقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:155]، ثم أخبر أنه يعذب هؤلاء الذين خلقهم للنار، وصرفهم عن /216/ الهدى وأضلهم، وختم على قلوبهم، وأعماهم وأصمهم بين أطباق النيران، خالدا مخلدا من حيث لم يعبدوه ولم يشكروه ولم يطيعوه، وهو الذي منعهم من ذلك، وأراد منهم الكفر، وسألهم ذلك، وحملهم عليه، فكيف يكون أرحم الراحمين من هذا صنعه بخلقه، وكيف يكون إن شاء هذا في الرحمة منعما عليه من هذا فعله بعباده، وكيف يلزم له العبادة والشكر على مثل هذا الإنعام المؤدي إلى النار، وكيف أن يجوز أن يعذبهم بما لا شيء فوقه من فنون العذاب بفعل(1) هو أنشأه وخلقه فيهم، وحمله عليهم، وأراده منهم، وكيف يجوز أن يكون عدلا رحيما محسنا من هذه صفته وحاله؟
الجواب: إنّه تعالى على ما وصف به نفسه من أنه أرحم الراحمين وأفضل المنعمين، وأنه المتناهي في الرحمة، حكيم لا يسفه، رحيم عدل لا يظلم، غني لا يحتاج، عالم لا يجهل، خلق كافة الخلق لعبادته، وأراد من جميعهم طاعته وعبادته، لم يحمل أحدا على معصيته(2)، ولم يمنع واحدا من طاعته، بل أزاح علة الجميع فيما كلفهم، ومكن الكل من فعل ما خلقهم لأجله، كما قال النبي
- عليه السلام -: «كل ميسّر لما خلق له»(3)؛ أي: الجميع ميسرون ممكنون للعبادة التي خلقوا لها، /217/ لم يغو أحدا ولم يضله عن الحق ولم يغوه، ولم يؤاخذ أحدا بغير جرم، ولا كلفه ما لا يطيقه، بل خلق الكافة قادرين على فعل ما كلفهم، ممكنين من أداء ما أمرهم، وأزاح علة الجميع وما به يتوصلون إلى ذلك، وأمهلهم من ذلك، وأقام لهم الأدلة، واحتج بالرسل والكتب والآيات، والوعظ والإنذار والتذكير، والإرشاد والتبصير، والهداية والتبيين، فإن قبلوا وأطاعوا فبإنعامه وبقوته وهدايته ومعونته، يلزمه من ذلك الشكر، وإن عصى بعضهم أو جماعتهم وكفر فمن قبله أتى وبسوء(4) اختياره، والله يمهله ولا يعجل من أخذته ومكافأته، فإن أناب وتاب قبِل توبتَه بأول إنابة وعند أول اعتذار، وأدخله في جملة أوليائه، وأحله محل من لا ذنب له، وأنزله كيوم ولدته أمه، وكيوم خرج من بطنها، ثم بدل سيئاته حسنات، ونهى عن تعييره(5) بما سلف، وتسميته بما فرط منه من قبل، وإذا كان كذلك فقد تحقق أنه أرحم الراحمين، وأنعم المنعمين، وأنه لا غاية لإحسانه، ولا نهاية لامتنانه.
وأما ما تعلقوا به من أنه أضلهم وأعماهم، وعن الحق صرفهم، وختم على قلوبهم، وعلى الضلالة حملهم، وأنّه خلقهم لجهنم، وغير ذلك مما تعلقوا، فقد فسرنا هذه /118/ الآيات، ولم يمكن أن يتعلق به في مثل ذلك في فصل الخبر
(1) في النسخ: يفعل.
(2) هذا في ث. وفي الأصل، ق: معصية.
(3) ورد في مسند الربيع، باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف كل بار وفاجر، رقم: 796. وأخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم: 7551؛ ومسلم، كتاب القدر، رقم: 2649.
(4) ث: سوء.
(5) هذا في ث. وفي الأصل، ق: تعبيره.