الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٠ملجؤهم في الحل والترحال، وأكلا وشربا وركوبا وحملا، فبعث الله تعالى أولئك على التفكر فيما لا يغيب عن أبصارهم في جميع أحوالهم، ولا تضمحل صورها والتفكر فيها عن أوهامهم، من سماء عجيبة التركيب، بديعة الصنعة، ذات كواكب مختلفة، نيرات زاهرات، وهم أعرف الناس بمغاربها ومطالعها، ومن ذلك أرض مسطوحة تنبت منها ألوان الزهر وعجائب الخضر، وغرائب النبات والأشجار، ذوات الزهر والثمار، وما فيها من الحشرات وهوام وسباع وأنعام وضروب /223/ الجواهر، وغير ذلك، ومن الإبل التي هي أعظم الحيوان نفعا، وأعجبه تركيبا، ظهر له من ذلك الدلالة النيرة والحجة البينة على وحدانية الله - سبحانه وتعالى -، صانع ذلك أجمع، وعلى حكمة بارئه ومنشئه، فالجمع بين هذه الأشياء في باب الاستدلال من أولى الوجوه وأوجب الأمور.
ومن ذلك قوله تعالى في قصة سليمان والهدهد، وما أخبر به من حال ملكة سبأ، قالوا: زعمتم أن سليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وملك على الجن فضلا عن الإنس، وعلم منطق الطير وكل شيء، وسخر له الرياح، ثم زعمتم ملك أهل سبأ وهو إما بالشام وإما بسواد العراق، وهو لا يعرف أنّ باليمن ملكة هذه صفتها، وملوكنا اليوم وهم دون سليمان في القدرة والبسيطة، لا يخفى عليهم صاحب الجرز، ولا صاحب الروم، ولا صاحب الترك، ولا صاحب النوبة، مع تباعد الديار، فكيف جهل سليمان موضعها مع قرب ديارها واتصال بلادها، وليس دونها بحار وأدغال(1)، والطريق نهج للحافر والخف والقدم، ولو أنه حين أخبره بذلك أضرب عنها كان لقائل أن يقول: إنه كان
(1) كتب في حاشية ث: الأدغال: الموضع الذي يخاف فيه الاغتيال. قاموس.