الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٢البحث عن ذلك، وطلب أمثاله، وإلا ما كان الهدهد ليتكلّف من نفسه من غير أن يكون مبعوثا عليه، مأمورا به، وإذا كان كذلك سقط التعلّق به.
ومن ذلك قوله تعالى في وصف العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل:69]، قالوا: والعسل يضر بكثير من الناس، حتى ربما يقتل شاربه أو يشرف على الهلاك، فكيف يكون صدقا؟
الجواب: هو أنه من الصحيح الذي لا يمكن دفعه، والواجب الذي لا يجوز تبديله واستحالته، أنه لا شيء من أنواع المخلوقات إلا وهو نافع من وجه ضار من وجه، ألا ترى أن الشيء قد ينفع في أحوال كثيرة، وإذا كان كذلك فإنما يوصف الشيء بأنه شفاء أو داء أو دواء، أو نافع أو ضار على الأغلب من أحواله، والأظهر من أفعاله، وإذا كان كذلك وليس شيء يبلغ في باب المنفعة مبلغ العسل؛ إذ جميع المأكولات والمشروبات ترجع إلى ثلاثة أقسام: قسمان نافعان غذاء ودواء، والثالث وهو الضار، وذلك المسمى داء وسُمًّا، فالعسل قد حاز فضيلة الأغذية بتمامها، وفضيلة الأدوية بكمالها، لم يجتمع ذلك في شيء سواه؛ وذلك لأنّ ما يلذ طعمه لا يكاد يقع في الأدوية، /226/ وما يسيغ طعمه لم يكد يقع في الأغذية، وليس في المطعوم ألذ (خ: أحلى) من الحلاوة لمثل الطباع الصحيحة إليها، والعسل النهاية في ذلك حتى يقال: ألذ من العسل، وأحلى من الشهد، فلا إدام ألذ منه ولا شراب ألذ منه في المذاقة من ماء العسل، ولا يتخذ نبيذ من شيء يبلغ ما يتخذ منه، وأما منفعته في الأدوية فليس يقف على قوى(1) كنهته(2) إلا من يباشر صناعة الطب، ويقف منها على قوى