قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٢٤٧

تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء:171].

فالسؤال في الآية إنما كان من القرآن، فأجاب عن ذلك أنه أمر الله؛ وذلك لأنّهم سألوه فقالوا: ما هذا القرآن الذي تدعي /229/ أنه من الله ومن جهته، وما المعنى فيه؟

فأجاب أنه أمر الله لعباده، وتكليفه إياهم بأوامره ونواهيه، ويدل على صحة هذا المعنى أن الله تعالى كرر ذكر القرآن بلفظ الروح في غير موضع، وقرن به ما أجاب عنه في هذا الموضع في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى:52]، وقال أيضا تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِي﴾ [غافر:15]، وقال أيضا تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِي﴾ [النحل:2]، ولم يختلف أهل التفسير أن الروح في هذه المواضع الثلاثة هو القرآن، وقرن بكل واحد منها أنه من أمره، مثل ما أجاب به في هذا المتنازع فيه، ولو أنهم نظروا إلى ما قبل الآية وما بعدها لعلموا أن المقصد به القرآن؛ لاشتمال آيات تعقبت الآيات على القرآن، فقال عقيبها: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء:86]، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِي﴾ [الإسراء:88] الآية، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فقد أجاب عما سئل بجواب مقنع؛ لأنه بيّن أنه من أمره لعباده وتكليفه لهم.

فإن قيل: إن جميع القرآن ليس بأمر محض، بل فيه أخبار وقصص ووعد ووعيد وترغيب وترهيب؟ قيل له: إن جميع ذلك إنما يرجع إلى الأمر والنهي؛ لأن ما فيه من القصص /230/ والأخبار والوعد والوعيد، وغير ذلك فيه ترغيب

١٬٠٥٩ / ٣٦٬٧٥٥