قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٢٥٠

على كل قول قولا آخر به يقول أن ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، وكان يتسلسل إلى ما لا نهاية له، وذلك ما لا يصح به وجود قول في هذا أدل دليل على صحة ما قلناه من قدم الكلام، ووصف الباري - سبحانه وتعالى - عما يقولون علوا كبيرا.

مسألة: فإن قال قائل: ما الدليل على أن قولكم من قدم كلامه؟

قلنا: الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:27] إنّه(1) لو صار جميع ما في البحار مدادا، وجميع نبت الأرض من الأشجار أو غيرها أقلاما، وجميع الحيوانات كتبة، وجميع الجمادات قراطيس، ثم امتدّت أيامهم وطالت مدّتهم، حتى كتبوا بتلك الأقلام وتلك البحار التي صارت مدادا على تلك القراطيس كلام الله تعالى، لفنيت جميع تلك المخلوقات، ولم يفن كلام الله تعالى، فقد بين - سبحانه وتعالى - أن جميع المخلوقات تفنى وكلامه لا يفنى؛ علمنا أنه لا يفنى لأنه قديم، وتفنى المخلوقات بالإضافة إليه؛ لأنها محدثة مخلوقة.

ودليل ثان -على صحة ما قلناه- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم:4]، وقبل وبعد إذا لم يقيدا بشيء يقتضي الأزل، وإذا قيدا بشيء فقيل: قبل ذا وبعد ذا(2) وقبل كذا، وبعد كذا، كان ذلك لما قيد له، فأما إذا قيل: "قبل" مطلقا، و"بعد" مطلقا، كان المراد به الأزل والأبد، والله - سبحانه وتعالى - أطلق القول فيه فقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾، فيقتضي /233/ أن

(1) ث: أن.

(2) بزيادة عبارة: "وقبل ذا" والظاهر أنها تكرار لا معنى له.

١٬٠٦٢ / ٣٦٬٧٥٥