قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٢٧٥

أو في غيره أو يخلقه قائما بنفسه لا في شيء، ومعلوم أنّه لم يخلقه - عز وجل - في نفسه؛ لاستحالة كونه تعالى محلا للأشياء، وكذلك لم يخلقه أيضا في شيء؛ لأنّه لو خلقه في شيء لكان للمحلّ فيه اختيار واكتساب، كما كان الاختيار والاكتساب للشّاعر في الشعر الذي خلق في قلبه، ولنسب إلى المحل كما نسب الشعر إلى الشاعر، فمستحيل أن يخلقه قائم بنفسه لا في شيء؛ إذ لابد للمخلوق بمستند يستند إليه، فبطل بهذا أن يكون مخلوقا أيضا، والقرآن قول الله /259/ تعالى باتّفاق بيننا وبينكم.

وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل:40]، فلا يخلو أن يقول له حين خلقه إياه كن بقوله الذي هو القرآن، أو يقول(1) آخر وغيره؛ إذ قوله تعالى واحد ولا يتبعض ولا يتبدل، وقول الله هو كلامه، وكلامه هو قوله، والدليل على أن هذا القرآن هو كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:6]، وكلام الله القرآن بلا شك، وقوله أيضا، وهو مسموع، كما أن الكلام الذي سمع موسى صلوات الله عليه وعلى محمد هو كلام الله بغير شك، لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:164]، والذي تستدلون به من قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:3] ليس ذلك بمعنى الخلق.

والدليل على أنه ليس بمعنى الخلق قوله في آيات أخرى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل:57]، ومعلوم أنهم لم يخلقوها له وإنما نسبوها إليه، وقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ

(1) ث: بقول.

١٬٠٨٧ / ٣٦٬٧٥٥