قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٢٨٨

بالضأن(1) فقد صدق، وكذلك القمح إذا كان فيه اليسير من الشعير، والشعير إذا كان فيه اليسير من القمح على هذا الحال.

وإن احتج محتج فقال: وجدنا العرب تعبر عن جميع المؤنث إذا كان معه مذكر واحد بالتذكير؛ قيل له: تعبيرها عنه بالمذكر على المجاز لا على الحقيقة؛ لفضل المذكر على المؤنث، والحكم للحقيقة والمجاز عارضا، ولا حكم للعوارض، وإلا فالأصل في الوضع عندهم تغليب الأكثر على الأقل، والتعبير(2) عن الشيء بأغلب أجزائه، مع أنه ليس هنالك مما توهمه ابن حنبل شيء؛ لأن الله تعالى ليس هنالك بذاته وإنما هنالك ذكر اسمه ذكر صفته، وأما القرآن فليس لكونه علم الله ما يخرجه عن جملة المخلوقات؛ /273/ إذ ليس يعلم(3) الله الذي هو صفة من صفات ذاته، وإنما هو علمه الذي هو فعل من أفعاله وخلق من خلقه، دليلا لعباده ليستدلوا به على وجوده، ويعرفون به جلاله وعظمته.

والدليل على ما قلنا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:52]، وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام:122]، كنّى عن العلم بالنور، وعن الجهل بالظلمات - عز وجل -، وليس في تسميته إياه بالعلم ما يمنع أن يكون مخلوقا، ألا تراه سمّى عيسى روحه وكلمته

- عليه السلام - ألقاها إلى مريم، وهي مع ذلك مخلوق(4)، وكذلك كلامه وعلمه اللذان هما القرآن؛ لأنهما ليس كل واحد منهما بصفة ذاته على الحقيقة سبحانه، فالكلام الذي هو القرآن ليس بكلامه الذي هو نفي الخرس عنه، بدليل وصفه إياه بصفة الخلق أيضا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾، إلى قوله: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، والعلم نور القلب، خلقه الله وأسكنه قلوب من أراد هدايته من عباده، والجهل /274/ ظلام في القلب، خلقه الله تعالى وأسكنه قلوب من أراد ضلالته من عباده، وكلّ من عند الله خلق الخير والشر، فأمر بالخير، ونهى عن الشر، فلا يفعل الخير ولا الشر أحد إلا بقضائه وقدره.

قال الشاعر:

نهى الرحمن عن فعل المعاصي … وقدرها وأوعد بالقصاص

فهذه حيرة قد حار فيها … ذوو الألباب من بر وعاص

والدليل على(5) أنّ القرآن ليس بعلم الله الذي هو صفة من صفات ذاته، الذي معناه نفي الجهل عنه قوله تعالى: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء:166]، فأخبر تعالى أن هذا القرآن وإن كان علما أنزله بعلمه الذي معناه نفي الجهل عنه، وفرّق بين علم الذات والعلم الذي هو فعل من أفعاله الذي خلقه، وجعله لنا نورا نبصر به، ودليلا نستدل به، وإن كان منسوبا إليه تعالى، فكل شيء له ومن عنده؛ لأنه هو

(1) في النسخ الثلاث: بالضمان.

(2) هذا في ث. وفي الأصل، ق: التغيير.

(3) ث: بعلم.

(4) ث: مخلوقة.

(5) زيادة من ث.

١٬١٠٠ / ٣٦٬٧٥٥