الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٥الله تعالى لا يتكلم بالحروف ولا بلغة المخلوقين، وبالله التوفيق.
مسألة من كتاب الكشف والبيان: اختلفت الأمة في كلام الله - عز وجل - لموسى - عليه السلام -؛ فمنهم من قال: أسمعه نفسه متكلما، واحتجوا بقول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:164]. وقال بعض: أسمعه صوتا أفهمه به الكلام، وهذا خطأ ولا نقول به؛ لأن كلام الله لا يخرج بصوت ولا حرف، إلا أن يكون الملك عبّر لموسى - عليه السلام - عن الله - سبحانه وتعالى -، فذلك جائز أن يعبر له بصوت؛ لأنّ الملك له صوت كصوت المخلوقين. وقال بعضهم: كلمه بالوحي؛ بدليل قول الله - عز وجل -: /281/ ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:51]، وهذا خبر غير منسوخ؛ لأن الأخبار لا تنسخ، فيجوز أن يكون كلمه بالوحي، وقد سمّى الله التوراة كلامه فقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة:75] الآية.
مسألة: فإن قال قائل: كيف سمع موسى كلام الله تعالى؟ قلنا له: سمع كلاما أزليا قديما جامعا للمعاني كلها بلا صوت وحرف، وهو لا يتمثل في الوهم ولا يتصور في العقل كما شاء، وعلم لا يعجزه شيء لا صوتا ولا حرفا؛ لأنّ الصوت والحرف محدثان مخلوقان.
مسألة: فإن قال قائل: من أين علم أنّ الذي كلمه هو الله؟ قلنا له: سمع كلاما خارجا عن كلام المخلوقين، وعن سائر الكلام؛ لأن كلام الناس يجري بالأنفاس عند الكلام والخطاب، وكلام الله - سبحانه وتعالى - ليس بصوت ولا حرف ولا نفس، فلما سمع كلام الله تعالى على هذه الصّفة علم أن الذي كلمه هو الله، والإشكال يقع فيمن له إشكال، ولا يقع فيمن لا إشكال فيه، والله - سبحانه وتعالى - لا يشبهه شيء من المحدثات، أو يجري عليه حدث الصفات. ودليل ثان: إن