الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٧نيّرا لائحا، وإلا فليقبل الحق ممن جاء به، وبالله التوفيق.
مسألة: واعلموا أنّ الكلام الذي عن العرب بيّنّاه وشرحناه في الأقسام يتشعّب بأربعة أنواع: فتارة يكون بالصوت والحرف كالمتكلم بلسانه، وتارة بالصوت بغير حرف كالمزمار والقصبة، وتارة بالحرف بغير صوت كالكتاب تكتبه إلى من شئت بأي أمر شئت، وتارة بلا صوت ولا حرف وهو الإشارة، كما قال عز من قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:11]، يوجد أنه أشار إليهم بالرمز؛ لأنه قال له: ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا، فاستثنى الرمز من الكلام؛ لأنه كلام ولا صوت فيه ولا حرف، والباري عز اسمه يتكلم بكلام جامع للمعاني كلها، يعرفه السامع إذا سمع بلا صوت ولا حرف؛ لأن الصوت والحرف يقتضي لسانا وشفتين وأسنانا وحلقا وشدقين، وذلك على الله يستحيل؛ لأنّ هذا من صفات الحدث والتعطيل، والله - سبحانه وتعالى - متكلم لا كالمتكلمين، ولا يشبه كلامه كلام الآدميين، كلامه - سبحانه وتعالى - قديم قائم بذاته، يسمعه من يشاء من عباده بلا صوت ولا حرف ولا إشارة ولا رمز؛ لأنّ هذه الأشياء جعلها الله لعباده /284/ آلة ليفهم بعضهم عن بعض، والله تعالى غني عن الآلات والأدوات.
وقد جابت(1) السموات والأرض لربّ العزة: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11] قولا بلا صوت ولا حرف، وكذلك قول النملة: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:18]، وتسبيح الجبال عند داود - عليه السلام -، وقد صح من الإجماع أن القرآن مكتوب في مصاحفنا، مقروء بألسنتنا، معلوم في قلوبنا، محفوظ في صدورنا، غير مخلوق، كما قال: إن الله تبارك وتعالى
(1) ث: جاوبت.