قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 01

الجزء ١ · صفحة ١١١

أنّه كلّما ارتضى رسولا من خلقه إلى خلقه أظهره على ما يشاءُ من علم الغيب؛ ليكون به للعالمين نذيرا، وحجة لقطع معذرتهم؛ لئلا يقولوا يوم القيامة ما جاءنا من بشير ولا نذير. فهذه أقسام هاتين المنزلتين؛ وهاتان المنزلتان هما وما احتوتا عليه من العلم، وانطوتا عليه من الفقه، هما حد النّهاية ومبلغُ علم الخليقة، وكلاّ منهم أعْطَى ما قد كتب له وعلمه، فعلم ما قد قدر له أن يعلم من العلم، ولا يعلم كل العلم غير العالم العليم الحكيم - سبحانه وتعالى -.

وأما المنزلة الثالثة: فهيهات لا اقتدارَ لهم على عبور سبيلها، ولا سبيل لهم إلى الوصول إلى منزلتها والبلوغ إلى الارتقاء في درجتها، ولا يصل /56 م/ إليها أحد فيعلمها، إلاّ الله تعالى وحده، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:59]. ولقد جاء في الحديث عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «مفاتيح الغيب خمسةٌ، لا يعلمها إلاّ الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحدٌ إلاّ الله، ولا يعلم ما في الغد أحد إلاّ الله، ولا يعلم متى تقوم السّاعة أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم [على] أحد إلا الله»(1). ويؤيّد هذا ويؤكده قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:34]. وكذلك الرّوح، لا يعلم الرّوح ما الرّوح أحد غير الله، والله بكل شيء عليم.

(1) أخرجه بمعناه كل من: البخاري، كتاب التوحيد، رقم: 7379؛ والنسائي في الكبرى، كتاب التفسير، رقم: 11194؛ وابن حبان في صحيحه، كتاب العلم، رقم: 71.