الجزء 27
الجزء ٢٧ · صفحة ١٠٤قلت له: فإن كان هو ثقة، فقال: إنَّه سلمها إلى الفقراء، هل يجتزي بذلك صاحب الزَّكاة؟ قال: نعم.
قال أبو سعيد ?: معي أنَّه إذا أعطاه صاحبُ الزَّكاة على أنَّه فقير وأخذها هو وهو غَنِيٌّ؛ فقد برئ صاحبُ الزَّكاة من الزَّكاة، وله هو الخيار؛ إن شاء رَدَّها على صاحبها وأعلمه، وإن شاء سلّمها إلى الفقراء. وإن قبضها وهو يعلم أنّه غَنِيٌّ؛ لم يُجْزِهِ وكان ضامنًا له ويُسلّمها إليه حتَّى يتخلَّص منها، وإن أتَمَّ له ذلك أن يُسلِّمها إلى الفقراء؛ جاز، ويجوز في ذلك الحلّ إن أحلَّه ربُّ المال من ذلك.
مسألة: ومن جامع أبي محمد: وإذا كان فقيرا عنده ثُم تبيَّن غناه؛ لم يكن عليه غرم ما دفع؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى إنّما تعبَّده بأن يدفع الصّدقة إلى فقير عنده، ولم يكلَّف أن يعلم مغيبه؛ لأن حقيقة الفقر لا يعلمُها إلاَّ الله، فإن وجدها قائمةً في يده؛ أخذها منه /79/ إِنْ قدر على استرجاعها بِحكمٍ أو غيره ويسلّمها إلى فقيرٍ غيره.
مسألة: ومن الجواب: وما نُحِبُّ لأحد أن يَحرم جارَه إذا كان فقيرا مُحتاجا للزَّكاة ولو كان فاسقا؛ لأنَّه رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبة الوداع الَّتي خطب بها في المدينة آخرَ عمره أنَّه قال: «ومن منع الماعون مِن جاره إذا احتاج إليه؛ منعه الله فضله وَوَكَله إلى نفسه، ومن وَكَلَه إلى نفسه؛ هلك»(1)، ولا يقبل الله عذره إلاَّ أن يتوب، والماعون: الزَّكاة المفروضة وما وجب على المسلمين أن
(1) أخرجه الحارث في مسنده، كتاب الصلاة، رقم: 205؛ والسيوطي في اللآلئ المصنوعة، كتاب المواعظ والوصايا، 2/ 303.