الجزء 27
الجزء ٢٧ · صفحة ١٣٨صناعته، ويدرّ عليه كسبه، ولا تقع عليه الحرفة؛ يشبه معاني الغنى بماله ونحو ذلك. يوجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحلّ الصدقة لنبِيّ ولا لآل نبي، ولا لغني، ولا لذي مرّة سوّي»(1) فيخرج معنى "ذي مرة سوي" ذي صنعة قويّ عليها بجسده، يخرج منها ما يغنيه كما يغنيه ماله فيما يتعارف من أحواله وهو غني، ولو لم يكن في يده مال إلا قوت يومه، وهو بصنعته بمنزلة الغني.
ومنه: ذكر حدّ الفقر من الغنى: قال أبو بكر: كان سفيان الثوري، وعبد الله بن مبارك، والحسن بن وضاح(2)، وعبد الله بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية يقولون: لا يُعطَى من الزَّكاة مَنْ له خمسون درهما، أو قيمتُها من الذَّهب. قال أبو عبيد: لا يُعطى من له أوقية؛ والأوقية: أربعون درهما. وكان الحسن يقول: ومن له أربعون درهما؛ فهو غني. وكان الشافعي يقول: قد يكون /108/ للرّجل مالٌ ولا يُغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله. وقال النُّعمان: لا بأس أن يأخذ من ماله أقلَّ من مائتي درهم، ولا تحلّ الزَّكاة لِمَن له مائتا درهم فصاعدا.
قال أبو سعيد: إنَّه تخرج هذه المعاني كلُّها من هذه الأقاويل على معنى ما وصفتُ لك فيما تقدَّم من الكتاب، وأشبهُ هذه الأقاويل عند أصحابنا قولُ الشافعي، إنَّه إنَّما ينظر لكلِّ واحد بقدر ما يكون غنيا به، فيثبت له اسمُ الغنى، ولو لم يكن مثله به غنيّا من مال، أو احتيال، وفي حقّه مؤنتُه، وقلة عَولته،
(1) سيأتي عزوه بلفظ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ للِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ».
(2) في الإشراف، المجلد الثالث/100: صالح.