قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 01

الجزء ١ · صفحة ١٢١

الجهل معنا كأبي صابر(1) المهزول، الذي قد ترك أربابُهُ الحمل عليه لِهزاله، فيجهد في رعي الكلاء وشرب الماء، لا هم له غير ذلك ليسمن، فيستريح من التّعب والكدّ والنّصب، وشدّة الهزال، وحمل الأثقال، فلا يزال كذلك في جدٍّ واجتهادٍ، حتىّ إذا سمن ونشط بدنه وقوي جسمُهُ سُرَّ بذلك وفرح، فبينما هو في جذلانَ إذا استقبله أربابُهُ حين أعجبَهم سمانُهُ، فحمّلوه الأحمال الثّقيلة، وكلّفوه السّير في المشقّات البعيدة، وقطعوه الأكل والشربَ ساعات السّير، فلقي من(2) ذلك بلاءً ومحنةً، وأصابه من التّعب والنّصب المجنب ما شاء الله، مِمّا لم يلقه في الهزال، فيلاوم نفسه على ما دعته إليه ويندم مع ذلك على ما صنع وأفرط في الأكل والشّرب، ويقول: ليتني لم أفرط في ذلك، وأكلت وشربت مقدار الحياة، حتّى لا أسمن كثيرًا، فَأترك، ولا يلتفِتُ إليَّ أحدٌ فأستريح من هذه المحنة والتّعب الذي لم أجده ولم أُلفه في الهزال، كذلك معنا مثل أولي الجهل السادرين، يحسبون الدنيا خالدة، وإن الإقبال عليها وعلى كسب حطامها هو الربح والفوز والغاية القصوى من الآلاء الكاملة، ويرون العلم والعمل لله عناء لا فائدة فيه، وكدًّا لا ربح له، وتجارة بائرة يخشون كسادها؛ فيقبلوا على الدّنيا كلَّ الإقبال، ويدبروا بالآخرة كلَّ الإدبار مغترين بالظاهر من الدّنيا وزينتها عن الباطن /62 م/ من الآخرة من سوء ما أعدّ لهم من العذاب على ذلك، وما أعدّ لمن علم فعمل بما علم من الثّواب على ذلك، فيقعوا في الخسران، ويهلكوا مع من هلك من الهالكين أبدا الآباد. فلو أنّهم نظروا بعين اليقين إلى ما يلقوه من التّعب والشّقاء

(1) في هامش ث: أبو صابر، كنية الجمل.

(2) ث: في.