الجزء 29
الجزء ٢٩ · صفحة ٩٦ومن الكتاب: وللصّائم الأكل في ليله كلّه إلى الوقت الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:187]، واختلف الرّواية عن ابن عباس في ذلك؛ فقال: للسائل له عن الوقت المحرّم الأكل فيه على الصائم؛ فقال: كل حتى تشك، ويروى أنه قال لآخر: كل حتى لا تشك، ومعناهما في التأويل عندي واحد. وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخيط الأبيض، والخيط الأسود، والوقت الذي ينتهي الأكل إليه فقال: «إن بلالا يؤذن بليل، وكلوا إلى أن تسمعوا أذان ابن أمّ مكتوم»(1).
قال غيره: وفي المصنف: وفي موضع في الخبر: كل حتى تشك، وكل حتى لا تشك، قال: هذان خبران رويا، فتأوّل كل قوم شيئا، فأما: كل حتى لا تشك؛ ففيه قولان: تأوله قوم: كلْ حتى لا تشك أنه ليل، أي: كلْ ما كنت مستيقنا على الليل. وتأوله قوم: أي: كل حتى لا تشك في أنه نهار، وأصحابنا يميلون إلى القول الأول، وهذا على القياس كأنّه يقول، حتى يتبين لكم الفجر.
(رجع) وأما أصحاب الحديث من النوائب، فإنهم رووا أن أبا بكر الصديق قال لغلامه وهو يتسحر: أوثق على الباب لا يفاجئنا الصبح، وورد عن ابن عباس أنه قال لغلاميه: /52 م/ أسقياني الماء، فقال أحدهما: أصبحت وقال الآخر: لا، فقال: أسقياني؛ فإني أشرب إلى أن تصطلحا، وحشا أبا بكر، وابن عباس مع ورعهما وزهدهما وعلمهما، وما يعلماه من اقتداء الناس بهما أن يكون فيهما شراهة الأنفس، وقلة الصبر على فضل أكل وشرب ماء، ولا يصبران على
(1) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، رقم: 2656؛ ومسلم، كتاب الصيام، رقم: 1092؛ والدارمي، كتاب الصلاة، رقم: 1227.