الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٥١ذكروا الروح فإنّهم يريدون بها الروح في ذلك الفن، فإنه عند الأطباء هو جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، وينتشر بواسطة العروق الضوارب لسائر أجزاء البدن، وفيضان أنوار الحياة والحس والسمع والبصر والشم يضاهي(1) فيضان النّور والسراج في زوايا البيت، والمصابيح منه، ويتحرك بحركته، فالأطباء إذا أطلقوا ذلك الروح فإلى هذا المعنى يشيرون، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب.
وأما عند الفلاسفة الحكماء فإنهم إذا ذكروا الروح؛ فتارة يريدون به الرطوبة المائية المستمدة من الماء المطلق؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:30]، وتارة يريدون بها القوة النارية الكامنة في الناميات: الحيوان والنبات، وهي التي هي سبب لوجود حياة الإنسان أو ذلك النوع، فهي في النوع الحيواني البري يتغذى من الدّم والرطوبة الدهنية من القلب ومن نسيم الهواء، بما تجذبه القوة الجاذبة لذلك من الأنف والفم، فهي كنار الكوز في الفحم، وغذاؤها منه، ومن نفخ المنفاخ عليه؛ لأن الهواء /440/ كلّه مملوء من الريح؛ ولذلك إذا فتح فيه المنفاخ ودخل فيه الهواء ملأه من الريح، فإذا أحكم سدّه ودفعه إلى بابه الأصغر خرج منه، وكذلك إذا روح عليه بالمراوح دفعة.
وإذا نزل المطر فلكه ودفع بعضه في بعض كالذي يلقي على الماء الحجر فتموّجه، فإذا لم تجد شيئا من الغذاء من نسيم الهواء أكلت دم القلب، وفيه محلها، ورجع إلى القلب من الدم ما قد دفعته بقوة حرارتها في سائر الجسد؛ لأنّ قوة الحرارة تدفع الرطوبات، وبها صار الغذاء دما في ذوات الدم، وفي غير ذوات
(1) ث: أيضا هي.