الجزء 30
الجزء ٣٠ · صفحة ١١٩وأما الجهاد فلا بدّ عندي فيه من تقسيمات، لاسيما وهو من فروض الكفايات، والأول أن يقال: لا يخلو الجهاد إماّ(1) التعين أم لا، فإن تعيّن فرضه كالدفاع عن بلد من بلاد المسلمين حل بها العدو، وهذا القسم قد التحق بالصوم والصلاة، ولا تجوز فيه النيابة، فإن لم يتعيّن فرضه؛ فلا خلاف أعلمه أن النيابة(2) فيه جائزة، ويبعث الإنسان ماله، ويتخلّف ثم رجعنا إلى المقصود الذي هو الحجّ، وقد اجتمع فيه المال والبدن، فنقول: لا يخلو المحجوج عنه من قسمين: إما أن يكون حيّا أو ميّتا، فإن كان حيّا فلا يخلو من قسمين: إما أن يكون عاجزا أم لا، فإن كان عاجزا فلا يخلو من قسمين: إما أن يكون عجزه في نفسه، أو لعارض يعرض له، وأما الميت فقد ذكرنا وبيّنا أحكامه، وأما الحي فإن كان غير عاجز، وهو مستطيع الحجّ؛ فلا يجزيه أن يحجّ عنه أحد، وإن كان عاجزا، وكان عجزه في 63 س نفسه، كالمريض الذي لا ينتظر الراحة، والمقعد، والأعمى، والشيخ الهرم؛ فهؤلاء تجوز لهم النيابة، ويبعثون بحجّهم، والدليل على ذلك أنّ امرأة خثعمية سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله [صلى الله عليك](3)، إن أبي شيخ كبير، وقد أدركته فريضة الحجّ، أفأحجّ عنه؟ قال: «نعم»، وفي خبر آخر أنه - عليه السلام - قال لها: «أفرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه، أكنت قاضية عنه؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أولى»(4). وقال
- عليه السلام - للذي سأله الحجّ عن أبيه لكونه لا يستطيع: «حجّ عن أبيك»(5). فإن كان يحجر لعارض يعرض له، فلا يخلو العارض من قسمين: إما أن يكون من خوف الطريق، أو عدم الزاد، فإن كان الطريق؛ ففيه قولان: منهم من قال: لا شيء عليه. ومنهم من قال: يبعث بحجّة من غير إيجاب. وبه قال الربيع بن حبيب - رضي الله عنه -، وأفتى به الإمام عبد الوهاب - رضي الله عنه -. وإن كان من عدم الزاد، فمن قال: إن الاستطاعة زاد وراحلة؛ فلا شيء عليه. ومن قال: إنها صحة البدن لا غير ذلك كما قدمنا؛ فعليه أن يحجّ بنفسه، فلا تجوز له النيابة.
واختلف أصحابنا: هل يأخذ الرجل الوصية بالحجّ قبل أن يحجّ على نفسه؛ فذهب بعضهم إلى أن ذلك /64 م/ جائز على الضرورة والإجازة، وذهب الأكثر إلى أن ذلك غير جائز، واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع ملبيًا يلبي عن غيره، فقال - عليه السلام -: «إن حججت وإلا فحجّ(6) عن نفسك، ثم حجّ عن غيرك»(7)، فاعتذر الأولون على هذا بأن قالوا: لعلّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عرف استطاعة الرجل، وهو عندي باطل؛ لأنا ما تعبّدنا بالاحتمالات. وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس أنه قال: «يدخل الجنة ثلاثة بالحجّة الواحدة إذا كانوا مسلمين: الموصي
(1) هذا في ث. وفي الأصل: أم.
(2) هذا في ث. وفي الأصل: النياه.
(3) هذا في ث. وفي الأصل: على الله عليك.
(4) أخرجه بمعناه كل من: الربيع، كتاب الحج، رقم: 392، والبخاري، كتاب الحج، رقم: 1513، ومسلم، كتاب الحج، رقم: 1334.
(5) أخرجه النسائي، كتاب مناسك الحج، رقم: 2639، والطبراني في المعجم الكبير، رقم: 3550.
(6) هذا في ث. وفي الأصل: فحجج.
(7) أخرجه بلفظ قريب كل من: الشافعي في مسنده، رقم: 923؛ والدارقطني في سننه، رقم: 2654؛ والبيهقي في الكبرى، رقم: 8685.