الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٤هذا التدبير هو الذي أبدعه واختاره للتكوين والإفساد لتركيب المركبات.
وسأل سائل ابن العباس: أين الروح تذهب؟ فقال له: وأين نور السراج يذهب؟
ثم قال له: وأين الدم يذهب؟ فقال له: وأين الدهن من السراج يذهب؟
ثم قال له: وأين الجسد يذهب؟ فقال له: وأين الفتيلة من السراج تذهب؟ /443/
فسلك في جوابه له مذهب الفلاسفة في الجواب، فأجابه بجواب محكم فلسفي.
وعند الفلاسفة أنّ من الحكمة في جواب الحكيم إذا سأله السائل عن شيء يحتاج في معرفته إلى معرفة مقدمات كثيرة من العلوم، يعجز عن إدراك معرفتها في الحال ذلك السائل، أن يجيبه بجواب مثلي بشيء كذلك، هو مجهول علمه مع السائل حتى يقف عن السؤال، وقد يحسن أيضا كذلك للعلماء أن يجابوا كذلك حتى ينتهوا إلى العلم في الشئين، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:85]، وقد ظنّ كثير ممن عجز عن إدراك معنى الجواب أنه كله جواب عدول، وعند الفلسفة أنه في بعض معانيه جواب عدولي، وفي بعض معانيه جواب إيضاح لما سأل عنه السائل، ولكنه لما كان علم ذلك يتعلق بعلم الفلسفة أجاب بمذهب الفلاسفة بجواب فلسفي، كما سيأتي بيانه.
ففي جواب ابن عباس إيضاح لما سأل عنه السائل لعلماء الفلسفة؛ وذلك أنه لما سأله عن الروح أجابه عن روح الحياة أنها نار، وأن غذاءها الدهن وبعض اللطيف من الأشياء الجسدانية كنار السراج، وأنّ مثالها في القلب هذا المثال، وأن