الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٩لتيممت له، كذلك علوها في الهواء تطلب الهواء المناسب، وإن قرب شيء منها حست به فتميل إلى ما يوافقها، فصح أنّ في نارية حياتها من النور الذي به يحسّ المركب فيه قدر الكفاية، وهذه الروح المشتركة في الحيوان والنبات فافهم.
وأما قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر:29]، فهي روح الحياة والروح العاقلة، ولم يذكرهما بالتثنية؛ لأنّ اسم الروح متوجه إلى المعنيين، وأضافها إلى نفسه إضافة تمليك، وكل روح فهي روح الله؛ أي: لله، وإنما خصص آدم وعيسى (بإضافة روحيهما إلى الله تعالى؛ لأن روح كل منهما من غير ذكر وأنثى كما هو في المعهود، فكان فائدة إضافة روح عيسى - عليه السلام - إلى الله تعالى تنزيها لأمه، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:59]، خلقه من غير ذكر ولا أنثى، وهذا من أنثى بلا ذكر، فكيف يكون مستحيلا كون شيء، /449/ وكل النوع خلقوا من نفس هي أعجب أمرا مما تعجبتم تعجب إنكاره في الحقيقة، ليس من خُلق من غير ذكر من أنثى، أو من غير ذكر ولا أنثى بأعجب أمرا ممن خلق من ذكر وأنثى، فكل أمر الله عجيب.
فإن قلت: إنه قيل: لا يجوز العجب في قدرة الله تعالى، وأنت تقول: كل خلق الله عجيب؟
فالجواب: إن التعجب الذي لا يجوز في قدرة الله هو تعجب الإنكار؛ لقوله تعالى: ﴿ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:72]، ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:73] تعالى؛ أي: أتنكرين قدرة الله تعالى. وأما منعُ من منعَ من لفظ التعجب في صفات الله تعالى بأن يقال: "ما أعظمَ سلطان الله" (بفتح الميم)، فإنما هو لمعنى القرآن بين عظمته وعظمة غيره، كما لا يليق أن يقال: "ما أحكم من هذا الرسول مع هذا الحجام"، فإنه يمكن أن يكون من هو فوق