قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٤

الشّيطانية قد يحصل منها العلم الإلهامي إذا فكر العقل فيه وميز حقه من ضلاله، فصح أنّ العقل هو قوة مدركة علم المعقولات، وهو نور مستعد للتغذية(1) والنمو، كالنار تزيد قوتها بكثرة الغذاء الحطبي، ولذلك ظن من ظن أنه قوة مكتسَبة (بفتح السين)، والصحيح أنه قوة مكتسِبة (بكسر السين)، ويصح أن يسمّى العقل كسبيا على المجاز لا على الحقيقة في المعنى لما يزيد نموه بالاكتساب؛ أي: يزداد به نورا؛ لأنّ الغذاء في المغتذيات مهما تغذته صار جزاء منها(2) وعظم جرمها به، فصار هو هي، وصارت هي هو.

فيصح أن يقال: هذا المغتذي أصله من هذا، وهو هو، ولكن قبل أن يغتذي به المغتذي لا يصح أن يكون هو هو، وكلّ منهما على انفراده، هذا ما لا يصح قبوله، فصحّ أنّ استحالة أنوار العلوم إلى العقل كاستحالة الغذاء إلى المغتذيات، وأنّ العقل المغتذي هو في الحقيقة العقل لا الغذاء يصير جزءا منه فيه، فيكون الجميع عقلا، وسمي العقل عقلا لوجهين ومعنيين: أحدهما أنه يعقل النفس عن اتباع هواها، والوجه الآخر لأجل عقله للأشياء وللعلوم بإدراكه معرفتها بالحقيقة، فكأنه لما علمها قيدها فيه بالإدراك؛ لأنه لما عرفها كأنه مسكها بالمعرفة، وإذا نسيه لا يسمّى في حال نسيانه لها عاقلا لها، فصحّ أن /455/ معناه معرفته بحقائق الأشياء على الحقيقة، ولكن سمي عقلا لأجل معرفته للأشياء، لا معرفته سميت عقلا، فلذلك لا يسمى العقل المعرفة؛ لأنّه من أسماء صفات العقل لا من أسماء صفات الفاعل.

(1) هذا في ث. وفي الأصل، ق: للتعدية.

(2) زيادة من ث.

١٬٢٧٥ / ٣٦٬٧٥٥