قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٦

كالجواسيس له من أعوانه، يؤدي كل منها ما هو مخصوص بإدراكه؛ كالسمع للمسموعات، والبصر للمبصرات، والشم لمعرفة الروائح، والذوق لمعرفة الحلو والمرارات وما أشبه ذلك، واللمس لمعرفة الخشونة، واللين ولمعرفة لذة الملموسات، وتفيض اللذة في ذلك إلى القوة الخيالية التي هي كالبريد للملك القائم على بابه، وتسلمها القوة الخيالية إلى القوة الحافظة التي هي كالخزان للملك، والحافظة تسلمها إلى الملك، فيأخذها بالقوة المفكرة والقوة المميزة والقوة المدركة لحقيقة ما وصل إليه، فإن نظرها بالقوة المدركة لتحقيق الحق فيها فقد عرف حقها، وإن عجز عنها وعرف عجزه عرف أنه لم يدركها، وإن لم يعرف عجزه خيلها، ثم هنالك قوة أخرى تأمره بالتوقف عن كل ما يعجز عن إدراكه، /557/ فإن سلم أمره إليها أصاب الحق بالوقوف، وإن خالفها إما أنه دفعها لجهله بها، وإما أنه صورها بخياله وهو القياس الوهمي، يمكن أنه أصاب ويمكن أنه أخطأ، ويبقى بين آمر له باعتقاد حقه، وبين ناه له بالتوقف، والاعتقاد هو تصوره خيالا حسنا ثابتا له متى تذكره، كما يصور المرء مهما نظر إلى السماء وظن أنه قد نظرها بعينه حقيقة، فإذا حقق المرء في نفسه أن الذي نظره هو السماء، فإذا غمض عينيه يظن أنه كذلك باق ينظرها، فأثبتت الخيال في عقله على ما لم يشك في نفسه، والحق أن السماء لم ينظرها أصلا وإنما نظر الهواء؛ لأنّ السماء شفافة، ولو لصق المرء رأسه وعينه بها لما نظرها لصفائها، فإنّها والهواء سواء، فإذا علم بالعلم ذلك، وتخيل له ما نظرته العين وصوره الخيال الوهمي، نفى ذلك الخيال بنور العلم، وإن صورته فهو بنور العلم يعرف أن ذلك خيال سحري لا حقيقة، فيتصور حسن الحق له مثالا حسنا، ويدبر عن المثال الخيالي، فإذا أدبر عن هذا المثال وأقبل إلى الخيال وأطال فيه النظر، فهو الشك في الحق بعد العلم، واتّباع

١٬٢٧٧ / ٣٦٬٧٥٥