الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٨أما المدبرة: وهي الأولى، وهي النفس الحساسة، وإليها ينتهي أولا ما يدرك بالحواس حتى تسلمها إلى الغريزية، ثم إلى البصيرية، وفيها تتخيل الصفات الذميمة كلها من التي تتخيل فيها، ولها قوة التخييل كما للشيطان، ويفعله الساحر به في عيون الناس فيريهم الخيال والعصا كأنها حيات تسعى، ويريهم البعرة كأنها جوهرة حسنة، كذلك يأتي إلى هذه العين المدبرة، وتخيل لها الأشياء الذميمة حسنة، كذلك يأتي إلى هذه العين المدبرة وتخيل لها الأشياء الذميمة حسنة في رؤيتها لها حتى تميل إليها وتقبل عليها، فكما يخيل في الظاهر للعيون سحرا وهو في الحقيقة غير مستحيل عن أصله، كذلك يحيله لها في الباطن ويعلمها التخييل، ولها قوة على ذلك بالتعليم، كما أن للصبي قوة على الكتابة إذا تعلمها، وإن لم يتعلمها لم يعرف.
وكذلك هذه، فإذا تعلمت منه ذلك صارت تخيل كلما تحبه ويخطر عليها من الخواطر والهواتف وما يدركه بالمحسوسات، والشيطان يعينها على ذلك، وفيها محبة لذلك حبا شديدا؛ لما تراه من حسن تلك الخيالات، وفيها قلي لمن يريد أن يزيل ذلك، وغضبا على من خاصمها، ورهبة /460/ وخوفا إن تغلب عليه فلا تقدر على ذلك، والاختراع محبوب معشوق، وهذه الصفات هي الصفات المطبوعة فيها؛ أي الحب والقلي والرهب والغضب على ما تخترعه من الخيالات، وهي المراد من قول الحكماء: إن فيها صفات الذميمة مطبوعة، فليس المراد صفات الأفعال التي هي معاصي الله تعالى، وإنما المراد صفات أحوالها التي هي تطلب الأفعال؛ لأن الأفعال حادثة وهي صفات الحب لانفعال الأفعال الذميمة، والقلي لمن خاصمها، وهي العين البصيرية، والغضب عليها إن عارضها، والرهبة من غلبتها، وهذه الأربع هي أصول صفاتها.