الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٠خيالا، ولا تخيل إلا ما يتجلّى لها من الخواطر الإلهامية والهواتف الشيطانية والمدركات الحسية، ولا يتجلّى لها من الإلهامات إلا الأمور الدنياوية، وليس لها شغل إلا الأعمال السحرية؛ إذ لا حب لها في شيء غير ذلك، وكله لهو ولعب باطل لا فائدة فيه، فهي مثال المرأة أو أصحاب /462/ الملاهي، ولها قوة بغض في العين الغريزية، وقوة حب أن تكون هي الأمير، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:40،41].
فالمراد هذه النفس، وهي هذه العين المدبرة لا غير؛ لأن في العقل شيئا لا يهوى إلا الخير، فليس المراد هو، وفي ظاهر اللفظ عموم؛ لأنه خطاب فلسفي ظاهره للعلماء والعامة من المؤمنين، وباطنه للفلاسفة الحكماء المتوغلين في علم الفلسفة، المكاشفين بحقائق الأمور، أنّه من إرادة الجزء بلفظ الكل الذي كذلك العدل في بعض نطقهم في حكمة الكلام، فالكتاب تارة يخاطب به العوام من المؤمنين على قدر عقولهم، وتارة يخاطب العلماء، وتارة الفلاسفة، وتارة يخاطب أهل (ع: كل) فن من العلم بفنهم وبمذهبهم في الكلام، فهو معجزة لجميع خلق الله من أهل السموات والأرض.
والآخر أن اسم الهوى واسم العشق لا يحمل أن يعلق لفظهما في الموصوف بالكماليات من الصفات والأفعال والأحوال، وإنما يليق أن يوصف الأشياء الدنية مما يناسبهما الاسم، ولذلك لا يليق بأن يقول المرء: أنا أهوى الله تعالى ولا أعشقه، كما لا يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه عاشق فلانا ولا يهوى فلانا، كما جاز أن يقال: إن الله تعالى يحب كذلك، ووصف نفسه بقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:54]، /463/ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:108]، وقد ظن قوم أن العشق هو قوة الحب لا غير، والصحيح أن العشق أصله خيالي