الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٧١نفساني من تخييل العين المدبرة فيما أدركته من المحسوسات، ولا يكون إلا فيها، ولا يكون في كل شيء منها؛ وذلك أنه متى وصل فيها خيال ما أدركت خياله ببعض الحواس ونظرته، فإذا استلذته أحبته وخيلته بخيال عجيب مطرب لها، واشتغلت بتزيين الخيال، فإن كان من المنظورات أرسلت خيالها فيما بين العين الباصرة وبين ذلك المنظور كالسحر، حتى تراه العين الباصرة كما رأته هي، لتطلب النظر إليه لتعينها العين على تصويره وإبداع تخييله، وإن كان لا يبصر صورته حسنا، وأمرت الأعضاء بتقريبه إليها بالملامسة لها، والسماع لمقالها، والشم لروائحها وعلى هذا المثال، ولذلك لم يجز أن يوصف الله تعالى به مع أصحابنا دون قومنا، وقد يمكن أن يحب المرء أباه وأمه وولده أكثر من زوجته، ولا يعشقهم بالنظر إليهم، بل يعشق زوجته، فالعشق حب نفساني خيالي ظاهر وهو من الحب، والحب باطن قلبي من غير هذه العين المدبرة، وبينهما فرق لطيف، فلا يصح أن يقال: إن الحب هو عظيم العشق، ولا كل العشق هو عظيم الحب، كما يصح أن يقال: /464/ إن الشغف هو عظيم العشق، والاصطلام هو عظيم الشغف.
والاصطلام: هو أن يصور المرء محبوبه في موضع خالي، ويغمض عينيه، ويلتذذ بذلك الخيال لذة عظيمة، يتحرك بها القلب حركات شديدة واضطراب، فيحصل له من ذلك الاضطراب عذاب، ومن ذلك التخييل لذة عظيمة تغلب على لذة ذلك العذاب، حتى ينتهي أن ذلك العذاب يستلذه، فهذا هو الاصطلام، وحيث كان أصله من العشق لم يجز أن يصف العبد به مع الله تعالى مع أصحابنا دون قومنا؛ لأنه لابد من تخييل لتصوير.
فإن قلت: أليس بصحيح أن يقال: هذا عاشق علم كذا وكذا؟ فنقول: نعم،