الجزء 30
الجزء ٣٠ · صفحة ٣٤٩تصور حقا في باله شيء أحب لوصاله، ومن ادّعى حبّ المختار على ترك المزار، لا لمانع بعد أن حجّ، فكأنه أدنى إلى الكذب، فإن تصوّره في نفسه، فهو شيء لا حقيقة له؛ لأن من ولج سر حبه، في سويداء لبه، فلابد من أن يهيج بالقلب لواعج نيرانه، فتسري بأنوارها في جميع أركانه، حتى تحركه من مكانه، فتنهض به مع القدرة، فيجدّ وحده في السعي بالجهد، بالبالغ طمعا في الوصال على شوقه؛ لأن الخطى بلذة ذوقه، فلا يزال على بعد المزار يتردد في الديار، ويقطع الفيافي والقفار، حبا له وشوقا إلى لقائه، حتى ينتهي إليه، فيبلغ نيل مأموله، أو يقطع به عن درك مانع له قبل وصوله، هذا هو الحق فليدع الدعوى لحبّه من حجّ ولم يزره مختارا، فإن المحب لمن يهواه زوار، وإن شطّت به الدار، وليحذر على زيارته أن يكون في حبّه مخالفا له في شيء من دينه، فإنّ المحب له من يستضيء بأنواره، ويتبع سبيله فيعمل بمقتضى آثاره، ولا يخالفه عمدا على حال في أمر ولا نهي، فإن المخالفة على سبيل المعاندة، من الأسباب المورثة للمباعدة؛ لأنها من دعاوي القلى، ومن لوازم المحبة على وجودها، شرطا في دوامها، 192 س مراعاة ما يرضى به المحبوب ويكرهه، ليعمل بما يرضى ويهمل ما يكرهه، ويؤثر على هواه ما فيه رضاه إذا كان يكرهه، فلا يرضى به عنه، ومن لم يكن على هذا فليس من أهل وداده، وإن تصوّره جهلا في فؤاده، فليحذر أن يكون في شيء من أمر دينه على خلافه؛ فإن الزيارة له على هذا من أمره، لا تزيده من ربه إلا مقتا شديدا، ولا من شفاعة الرسول وقربه إلا بعدا بعيدا، أولا يستحي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(1) عاقل أن يلقاه على خلاف ما هو به وعليه في حياته، وما
(1) زيادة من ث.