الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٥الباب الخامس والثلاثون في صفات أفعال العقل
اعلم أن كل عين من هذه العيون العقلية تريد أن تكون هي الملك الغالب القاهر المالك للأمر، وقد مثلهن بعضهم /468/ أن الأولى المدبرة كالمشير، والغريزية كالوزير، والبصيرية كالأمير، والنظر يؤدي إلى أن الصحيح من التمثيل على غير ذلك أن المدبرة كالساحر، والغريزية كالملك، والبصيرية كالنبي والرسول المقدم من الأموال.
وقد تكون كل عين منهن ضعيفة القوة، وقد تكون المدبرة قوية، والغريزية والبصيرية ضعيفتين، فيكون صاحبها قليل المعرفة، بليد النظر، ذا جهل شديد، قوي التمرد، لا يسمع قيلا(1)، ولا يهتدي سبيلا، ولا يسمع إلى نصح بل يغضب عليه، إلى غير ذلك من الصفات، وإن كان صاحب إيمان يكون غير قوي فيه، وقد يسلم له من العناد عليه مع ذلك، وقد يكون قوي الغريزة، ضعيف البصيرية، فإنه يكون بصيرا عارفا، إما حكيما دنياويا؛ أي في العلوم الدنياوية، والصنائع المعجبة الغريبة، وإما عالما بالعلوم الأخراوية الدينية، غير عامل بها لله تعالى، فيكون عالما غير عامل بعلمه، ولذلك تجد علماء غير عاملين بعلمهم لله تعالى، وإن عمل بها لله فإنه يكون قوي فيها.
والمراد غير قوي فيها من قولنا؛ أي غير قوي المحبة والرغبة إلى ذلك، والمراقبة والمشاهدة إلى الله تعالى، وغير قوي في لذة المشاهدة، وغير قوي في طلبها؛ إذ هو غير قوي في محبتها وإرادتها، ولكنه مع ذلك يمكن أن يسلم له إيمانه. وقد
(1) هذا في ث. وفي الأصل، ق: قليلا.