الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٢الغريزية منها والمدبرة، ولكن لا يكون صاحبها إلا كامل الإيمان قويا فيه، لا يعصي الله أبدا، وهذه مرتبة الأنبياء وبعض من العلماء المهتدين، وقد تكون هي المدركة للعلوم أولا، ومنها تعلمت الغزيزية ولا يعمل بالإيمان أحيانا وذلك إذا خانتها الغريزية والمدبرة وخالفاها، فيكون ما تعلمته منها الغريزية حقا لا خلل فيه، والخلل في العمل بالمخالفة لها، والغريزية تقتبس منها، وإن أرادت أن تكون هي المتولية للأمر، وقد أخذت علمها صارت منافقة خافية نفاقها؛ لأنها رأت الكمال الحقيقي منها، ولكن ليس لها محبة في غير الكمال الدنياوي العاجل، ولم تذعن لمن له محبة في الكمال الحقيقي الآجل، ولا صبر لها ولا عاقلة لها تعقلها عن العجلة فطلبته عاجلا، وعلمت أن ذلك الكمال الحقيقي قد عرفه أناس فأخفته.
وإن أقبلت إلى المدبرة وسمعت إلى قولها، لم تبال في إظهار خلاف ما عرفته من الكمال الحقيقي، وصار فاسقا منافقا ظاهرا نفاقه، وإن تعاونا على عداوة العين البصيرية وحجباها، وتعاملا هي والمدبرة، تركا رؤية ذلك الحق الذي رأته الغريزية والمدبرة /477/ من البصيرية، وأقبلا على الظلم العظيم إن كانتا قويتان، قوي أمرهما على قدر قوتهما، وإن كانتا ضعيفتين طلبا الأشياء الدنيّة وخالفا الحق فيها، فإن بعض الناس يطلب الملك والأموال، وبعضهم يطلب الحجامة وينافس فيها، واللعب واللهو؛ لأنّ كل عين تطلب ما ترجو(1) نيله، فيتجلى لها إما مثال ذلك وإما خياله، وما انقطع فيه طمعها فلا تطلب النظر إليه، ولا يتخيل ولا
(1) في النسخ: ترجي.