قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٤٨٣

يتمثل بين يديها ما لا تنظره، ولا تنظر إلا(1) ما تريد النظر إليه، ولا تريد إلا ما يتجلى لها، ولا يتجلى لما هو من المحسوسات فيه، فيكون قد دار الدور، وصح أنّ التجلي لما هو من غير المحسوسات إنما هو أمر إلهي ليبتليهم فيه ما هو مشغوف بحبه؛ إنّه ليكفر بالله فيه أم يصبر ويعمل بموجبه عليه، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:1،2]، ولا يفتن المرء إلا بما هو مشغف(2) بحبه، فإن من كان بعيدا مسكنه عن البحر، إذا بعث إليهم نبي لا يبتلون بمنع صيد السمك يوم السبت، وإنما يفتن بذلك من كان ساكنا على ساحل البحر له همة في الصيد، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:163].

ففي الحقيقة جميع ما يخطر على المدبرة والغريزية من حق وباطل إنما هو من الله تعالى ابتلاء، هل يتّبع من أمرته أن يتبعه وهي هو الأمر من العين البصيرية أم يعصيه؟ فإن أطاعه أطاع الله ورسوله /478/ الباطن إليه، وإن عصاه فقد عصى الله؛ لأنه لا يريد الطاعة له وإنما يريدها خالصة لله - جل جلاله -، فقطع عليه عذره بأن يطيع نفسه الآمر له بما يصلحه، ولا يخطر على هذا الأمر من الله إلا الحق، والحق في الحكم بالعدل، فهو قائم بالأمر لله في أرضه باتباع أوامره، والنهي عن مخالفة الله في شيء على حال، وقد عصمه الله من الخطأ والزلل ومواقعة الخلاف لله ذي الجلال، ولا يطلب إلا التقرب إلى الله بصفاته، ولذلك قال جل وعلا: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:85].

(1) ث: إلى.

(2) هذا في ث. وفي الأصل، ق: مشفق.

١٬٢٩٤ / ٣٦٬٧٥٥