الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٠الحقيقة ليس بشيء، والهواتف الشيطانية والأنوار البعيدة بما يصل إليها من العلوم بالحواس الخمس فترى حقّه في ظلمتها، وأما الحكم فلا يتجلى فيها، وأما فلا تعرف تمثّل شيئا، والذي تراه من المثلات الحق في الأشياء التي بالحواس /497/ فهي مثالات، كذلك تنزل عليها من تمثيل الله لا من تمثيلها، وإنما لها التخييل وهو على وجهين:
إما أن تخيل شيئا على غير صورته حتى تعشقه وذلك فيما عشقته، كما يخيل الساحر البعرة جوهرة.
والثاني: أن تخيل شيئا أصله ليس بشيء كما تخيّل السّماء، وكما يخيّل السّاحر السّحاب والرّياح والأمطار لم يصوّر شيئا كذلك، ولا تعرف العين الغريزية إلا ما تعرضه عليها، ولكنّها تطالبها لقوّة حبّها في التطلّع على معرفة العلوم والحكم والصّنائع إذا استفحلت؛ لأنّها قد تستثنى بالمقارنة والإياس، كما أنّ الحجّام لا ينافس إلا في علم الحجامة لإياسه من المراتب العليّة، ومقارنته لآياته، ولكن الغرض ذكر المستفحلة بالعلوم؛ لأنّ تمهيد الكلام هو للعلماء بالله وبدينه، فالعين الغريزية قد يتصوّر لها المثالات الحقّ، والخيالات من رؤيتها من الحواس والخواطر، وممّا تراه من المدبّرة بالمطالبة إن سمحت لها بذلك، ولها قوة التمثيل مما رأته من المثالات والخيالات، فأمّا تخييل النّفس فإذا رأته عرفته أنّه ليس بشيء، وأن ذلك صنعها لا مثالا أصليا ولا خياليا أصليا، وإن كان الخيال أصليا من تخييلها ورأته الغريزية فإنّها تواجه في كل ما يتمثل لها بعينها من الجهة الأخرى المقابلة لأنوار العلم، فإن لاح فيه نور العلم وأشرق قليلا منها ورأت باطله /498/ وتلاشيه عرفته أنّه باطل لا شيء كالسّراب، وذلك في القريب منها كمعرفتها بخيال السّماء أنّه لا شيء، وهو لا يزول من النّفس لتصديقها