الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠١العين؛ لأنّها تقلّد الحواس، وإن كان بعيدا منها وحادث بجهتها إلى أنوار العلم فأشرق منها إليه، ولم يشرق نورها قويا كثيرا رأته خيالا أحسن مما رأته في ظلمتها، كما يرى الإنسان السّحاب الرقيق في الجبل القطعة القليلة منه في الجبل من مكان بعيد ولو قرب إليه ودخل فيه لم يره، وعرفه أنّه لطيف متلاشي فيعتقده حقّا ويصوره مثالا لا يستطيع على زواله لحبّه له؛ لأنّه كلما زاد له مثالا رأى أنّه قد زادت به مملكته على غيره من المدبرة والبصيرة، ولا يتجلى فيه نور الحكم ولا نور الإيمان من جهة، كما لا يتجلّى ذلك للمدبرة من جهتها، وما علمته الغريزية لا تعرفه المدبرة إلا إذا عرفتها بشيء من ذلك، ولا تعرفه العين البصيرية إلا إذا أعرضته عليها، وفي هذا ما يدلّ على أنّ المدركات بالحواس كلها يصل مثالاتها وخيالاتها إلى المدبرة والغريزية، وكذلك تصل إلى البصيرية إلا الخيالات فإنّها لا تراها فلا تراها خيالا أصلا، وإنما تنظر وترى المثالات الحقّيقية منها، ومما يتجلي(1) لها.
فإذا أعرضت الغريزية على البصيرية /499/ مثالا ونظرته البصيرية كذلك مثالا كالطين المهيء للتمثيل حكمت به أنّه حقّ، وإن أعرضت لها خيالا لم تره البصيرية وعرفته أنّه باطل؛ لأنّها لم تر شيئا كالإنسان الغير القوي الذي يتراءى له في الليل مثالا فيقول لصاحبه: "أرى في الجهة الفلانية كذا وكذا" وهو قوي النّظر ونظر إلى ذلك فلم ينظر شيئا فيقول له: "إن ذلك ليس بشيء، وإنما هو خيال"، ولكنه وإن قال له ذلك فلا يزول من رؤية عينه إلا إذا وصل إليه، ولم يجده شيئا عرف أنّه باطل خيالي، وإن لم يخبر القوي النّظر اعتقده حقا، ولم يعلم
(1) ق: ينجلي.