الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٣نور الإيمان، وسدّ بذلك من كوّة البيت شمس الإيمان، وبقيت العين البصيرية تعبد الله وحدها في ظلمتها بالمحبّة، فلم يعارضها في نفسها، ولم يطاوعها في نفسه.
فإن قلت: ألا فلا ينجى أحدهما بهذا؟ فنقول: إنّ هذا المحبّ لله الطائع إنما أنزل إليه نذير وبشير، فإن نافقه فهو كأنه لم يرده في مملكته فيرفع عنه /501/ ويبقى العذاب له؛ لأنّ الأعمال الموافقة للإيمان إنما هي من تدبره إليه، وهذا الملك المنافق في الحقيقة هو المخاطب والمدبرة كذلك، وقد عصى (ع: عصيا) الله تعالى وسدّا عن أنفسهما باب مصباح الظلام بنفاقهما في قول أصحابنا دون قومنا، وهو معنى قول العلماء المحقّين: إنّ الإيمان يزيد ولا ينقص. وقال قومنا: إنّ الإيمان يزيد وينقص، فأما من نظر إلى الخيال وجد قول قومنا هو الأصحّ؛ لأنّ المرء تارة تعظم محبته ورغبته ولذة مشاهدته لله تعالى، وتارة يذهب ذلك عنه، وأما من نظر إلى المثال الحق في هذا نظر إلى صحّة قول أصحابنا أن أصل الإيمان هو القيام بما لا يسع إلا قيامه من دين الله، ويزيد بما قالوه قومنا ولا ينقص؛ لأنّ نقصانه أن يكفر بالله بشيء من دينه وبدون عصيانه بشيء لا يسع هو غير ناقص، بل الإيمان ثابت له تام، فبمعنى نقصانه مع أصحابنا فساد ركن من أركانه، وإذا تمّت أركانه فلا يسمّى ناقصا، فإنّ الرجل إذا تمت لكفّه الأصابع الخمس لا يسمّى ناقص الصورة مع من كانت فيه ست أصابع، ولو قطع صاحب الست الزائدة لم يسمَّ ناقص الصورة؛ لأنّه يزيد بما لا يلزم، وإنما زيادته بالوسائل، وأما ما يلزم فلا يتمّ إلا بتمامه، وأما عند قومنا فإنّه لو نقص ركن منه لا تتمّ صورته ومثاله إلا به، وبدونه يكفر صاحبه به، ولا يكفرونه /502/ بذلك ما أقام على الشّهادة بالجملة التي هي: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمّدا رسول الله، وأنّ القرآن وجميع ما جاء به محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحقّ من