الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٥فيمكن أنّه ولج مثال الحقّ فيهما، ولكن نور الإيمان بالقبول لم يكن فيهما فأبت القبول الغريزية من البصيرية، ويمكن أن مثال الحقّ لم يولج أحدهما؛ إذ ليس ما سمعته الأذن ولا ما نظرته العين عرف الحقّ فيه، وإن لم تعرف البصيرية حقه لم يتصور لها، والغريزية إن لم يتصور لها الحقّ مثالا، ولم تنظر له خيالا لم تقبله، وإن كانت قد نظرت خياله، ولم تنظر مثاله الحقّ فيه لم تقبل ما لم تر له فيه شيئا.
فإن قلت: هل يُمْكن أن تنافق إحدى الغريزية والمدبرة دون الأخرى؟ فنقول: لا يمكن؛ لأنّه متى نافقت الغريزية، وانطفأ نور الإيمان نافقت النّفس؛ لأنّ عداوتها للبصيرية أصلية، وإنّما تسالمها بغلبة الغريزية؛ لأنّها بمنزلة الملك القاهر، وأقبلت إليه بالمحبّة له، /504/ وإن نافقت المدبرة دون الغريزية انطفأ نور الإيمان، وعرّفها وقهرها، وندمت وتابت، وإن أعجبها نفاق المدبرة فقد نافق مثلها، وكذلك إن أشركت إحديهما، والشرك أعظم ظلمة، وأعظم جور أيتهما على البصيرية وتغطيتها، وبهذا الوجه من يشرك بالله فلا تقدر البصيرية على القيام بشيء، ولا على ظهور حبّ لله، ومن ينافق ويظهر فساده، ومن ينافق ويظهر منه الأعمال الحسنة، ومن ينتهك لما يدين بتحريمه، ومن يدين بدين الضلالة، ويبكي من خشية الله، ولا يقبل الحقّ فيما دان به، ومن يقبل الحقّ ممن رأى الباطل حقّا ومن نهته البصيرية ومن لم تنهه، ولو كان بتلك الأعمال الحسنة تنفع المرء ويوجب له العذر إذا لم تر الغريزية الحقّ، ولم تره البصيرية فلم تنهها، وكان عبادتها لله تكون نجاة للغريزية والمدبرة نجاة، وإن عبادتها بإشراق شمس الإيمان عليها لوجب العذر لليهود بإنكارهم نبوة عيسى - عليه السلام -، والنصارى بإنكارهم نبوة موسى - عليه السلام -؛ لأنّ كلا من هؤلاء لا يرى مثال الحقّ في نبوتها، وفيهم من تفيض أعينهم من خوف الله تعالى، واعتزلوا في الصوامع لقوة حبهم في الله، وهم لا