الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٦يريدون به إلا وجه الله خالصا، ولوجوب العذر لهم بإنكارهم نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قلت: /505/ إنّهم يعرفون كما يعرفون أبناءهم، كذلك حكى الله عنهم؟ قلنا: نعم، لكن منهم عباد ضعفاء العقول، لا ينظرون مثال الحقّ في عقولهم، ولا يعذرون بذلك، ولوجب العذر لمن تبرأ من أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعائشة أمّ المؤمنين (، ولوجب العذر لكل فرقة من أمته محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولو تفترق إذ الكلّ في عذر، وفي سلامة، وإذا عمتهم السلامة صاروا فرقة واحدة؛ لأنّه لا يكون الافتراق افتراقا إلا فيما لا عذر فيه عن الهلاك، وافتراقهم فيما يصحّ العذر للجميع، فليس ذلك افتراق دين، كافتراق العلماء في بقية العلوم الدنياوية لا يسمون مفترقين في الدّين، ولا يصحّ أن يعذّب من لا يعصي الله طرفة عين، فدلّ على أن تلك القوة مرفوعة عنه.
فإن قلت: كذلك بعض الجسد لم يعص الله طرفة عين؟ فنقول: إنّ الجسد هو مملكة الملك المخاطب، وهو الآمر في العين الغريزية، فإن صلحها صلح الجميع، والعذاب في الجسد ليس هو عذاب، وإنما هو عذاب لهذا العاصي؛ لأنّ حقيقة الجسد كالحجارة، لا يحسّ بالعذاب، وإنّما يحسّ بالعذاب فيه هذان الآمران الغريزية والمدبرة من حاسة الجسد، بدليل موته بذهابهما عنه لا يحسّ الجسد، وقد يموت بعض الجسد، ولا يحسّ المرء بما يلحقه فيه من المضرات.
فإن قلت: ما بال العلم لم يشرق /506/ في القلب بدون شمس الإيمان فيه، وإذا كان العلم هكذا فما فائدته، وما معنى قولهم: "إن نور الإيمان يزيد بنور العلم"؟ فنقول: إن العلم في نفسه، وكذلك مثالات الحقّ فيه، ومثالات الحقّ تختلف، منها جليّ ومنها خفيّ، فالجليّ للعقل له مثال جلي، والخفيّ عليه له مثال خفيّ، والخيالي لا يكون إلا خفيا بعيدا على مثال الحقّ، ولولا ذلك لما