الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٨غريزية أو مدبّرة إلى أن يموت فيكون قد مات على ذلك الحال، فمن أين لنا نحن أن نعرف الفرق ما بينهما؟ فأقول: إن القياس الوهمي يتولّد من أحد وجهين: إمّا حسّي خيالي، وإمّا خيالي عقلي، فالحسّي الخيالي على وجهين: إمّا غلط من الحاسة بنفسها، وإمّا غلط من غيرها، فالحسّي الوهمي من وهم الغير هو التّقليد الشرعي، وما تخيلته /508/ حواسه بنفسها وعملت به فلا يسمّى في الشريعة تقليدا، وإنّما غلط بنفسه، وفي علم الحقيقة أنّ اتّباع جميع القياسات الوهمية هو تقليد؛ لأنّه من تقليد الغريزية، والمدبّرة نفسها بذلك الخيال؛ لأنّ المقلّد غيرهما خيّل له ما تخيّله هو فتتبعه، فإنّما هو متبع خيالي عقله، إلا أن يتبعه في شيء لم يتخيّل له في شيء؛ لأنّه يمكنه أن يلج الغريزية والمدبرة شيئا لم يتخيّل له فيه إذا لم يفهمه، ولم تكن له فيه قوة نظر وفكرة، كالذي يتخيّل له في الأصل شيء في البعد، ولكن هذا لم ينظر إلى البعد، أو كانت رأته عينيه إلى جهته غير التي فيها ذلك، فهذا هو المقلد غيره في الحقيقة في علم الحقيقة، وصار المقلد في الحقيقة على قسمين: إمّا مقلّد وهمه، وإمّا مقلّد وهم غيره، وكلّ منهما على أقسام كما ذكرناه، ولا يعرف الفرق بين الخيال والمثال إلا من وفّق الله العلي إلى رؤية المثال في ذلك الخيال، وينجلي ذلك الخيال.
فإن قلت: قد أعجزت النّاس معرفة الفرق بين الحقّ من الباطل؟ فأقول: بحجة وبحجة، وذلك ما أوردناه من ابن عباس أنّه لو مات على رؤية ذلك الخيال، ولم يذهب إلى من أرسل إليهم، فأظهروا له الحقّ، فربما أنّه بقي ذلك الخيال إلى أن يموت، وهو أعلم النّاس بعد الأنبياء (، وأمّا الأنبياء /509/ فهم كالملائكة لا يرون الخيال؛ لأنّه نوع من السّحر، وعيون الأنبياء عن رؤية شيء لا حقيقة له، والسّحر وآيات النّبوّة هما مثل للخيالي العقلي والمثالي