الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٩العقلي، وهما على ضعفاء العقول في رؤية عيونهم شبيهان، وإن كان بينهما فرق عند أقوياء العقول؛ لأنّهما شبيهان، خيال هذا، ومثال هذا في عينهم المدبرة.
فإن قلت: إنّك قد عذرت الخلق باعتقاد الوهمي مثالا، والمثالي خيالا؛ لعجزهم عن إدراك الفرق ما بينما، وأجزت التديّن بالخيالي الوهمي، ولم تخرج بالعذر المقلّد غيره بغير تخييل، وإلا فقد كلفتهم ما لا يطيقون، وصادمت معنى التنزيل في قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:8] بخلافك هذا؟ فأقول: أمّا تقليد الوهمي، وتقليد وهم الغير في غير علوم الدين فهو واسع لهم، وتفاوت علم العلماء فيها من كان نظره في العلوم أقوى، فإن الخيالات تقل في رته عيني عقله، ومن كان قليل النّظر فخيالاته أكثر، فإذا اتّخذ علمه من الأقوى علما كان علمه أصح، ولو كان قليل العلم، وأما علم الدّين، فالواسع فعله وتركه، وهو القسم الجزمي الإجماعي، والرأي النّظري هذان القسمان أوسع، وتقليد الوهمي الخيالي، أو وهم الغير فيه يصحّ، إلا أن يدين بشيء من ذلك، ويخطّئ بدينونة من يخالفه، فذلك لا يسع في كل علم ديني أو دنياوي أن يدين شيئا لا يسعه أن يدين به، وأصل الدّينونة الحكم الاعتقادي من الغريزية أو المدبرة أنّ ذلك هو الواجب /510/ عليهما فعله، وأن من تركه هو كافر أو مخطئ عاص لله هالك إن لم يتب، فهذه صفة الدينونة المحرّمة فيما لا يجوز أن يدين به كذلك؛ لأنّ الحكم إنما هو للبصيرية ليس لهما فيه سبيل؛ إذ لا حبّ فيهما لله، فلا يوليان حكما في دين الله تعالى.
وأمّا الدين الذي لا يجوز ولا يسع التديّن بخلافه، ولا العمل بخلافه بغير عذر، ويهلك من خالفه بغير عذر، فالرؤية فيه في شيء منه بالخيال خلاف الحقّ، فإن كان مما يسعه جهله، فواسع له ما لم يدن بذلك بالخلاف، وأمّا إذا