الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥١١وإذا لم يلزم إلا ما يتحرّاه المرء أنّه هو الحقّ لم تكن فائدة في إرسال الرّسل، ولا في شروع الدين؛ لأنّه إذا جاز الخلاف له في منّه برؤية العقل أنّه جائز في الكلّ، وإذا جاز في الكل بطل لزوم الإيمان /512/ بالقرآن وبالنبي إذا لم يعرف المرء صحّتها، وكان نزول الشريعة عبثا، ويكفي أن يقال كما قالوه قومنا، فضلوا به ضلالا: "إن كل مجتهد مصيب، ولو خالف الحقّ" وهم تارة يقولون: "يعني صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، وتارة يقولونّ "لا يجوز خلاف أئمتهم"، فجعلوا كلّ مجتهد مصيبا مع الصحابة وغيرهم، فرجعوا عن قولهم، ثم كأنهم أباحوا الاجتهاد لغيرهم؛ لأنّ لفظة "كل" تعمّ، ثم نكصوا على أعقابهم فمنعوه، إلا لأئمتهم بغير برهان من الله لهم، وأطلقوا إجازة ذلك في القاتل والمقتول والمحارب لإمام المسلمين، والذي حربه الإمام والمسلمون؛ لأنّ معهم أنّ الصّحابة لا تجوز تخطئتهم، ولو خطؤوا الحقّ، ثمّ ولوا على أدبارهم القهقرى مسرعين إلى الورى بأن خطؤوا ودانوا بتخطئة الخارجين عن علي بن أبي طالب، وصوّبوا من خرج أول من خرج عنه عمار بن ياسر، وخطؤوا من ائتمر به وسار سيرته، فما أعظم من هذا التخبيط تخبيط، وما أظهر ضلالته، ولو ثبتوا على الكلمة الأولى لكان أسلك طريقا، ولكن لما رأوا بغير تخبيط يؤدي هذا الاعتقاد إلى الاكتفاء به من الله لخلقه، وصارت الشريعة عبثا، والأنبياء عبثا؛ لأنّها كلمة يصحّ توارثها من آدم إلى آخر الحشر؛ لأنّها كلمة وجيزة لا تختلف أحكامها، /513/ فلمّا بطل ذلك وصحّ أنّ الحجّة تقوم فيما لا يسع جهله من حجة عقله وبالسّماع، وفيما لا يسع إلا علمه أو تركه مما يعمله بكلّ معبّر له، وإلا بطل لزوم الدين أصلا، وأمّا المتدينون بالضلال بما لا يسعهم، الهالكون بذلك، فاتّباعهم بما لا يسع جهله مما تقوم به على المرء الحجة من عقله عرفه أنّه حقّ أو لم يعرفه من الحق لا يسع؛ إذ