الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥١٤فإن قلت: لم توسع /516/ للدائنين بالضلالة في اتّباعهم خيال عقولهم، فخيال غيرهم بما لا يسعهم والتفرقة بين الخيالي والمثالي صعب شديد، وكل فرقة من المتدينين بما لا يسعهم ترى أنّها هي المحقّة، وأن الحقّ معها، فمن أين يحصل الفرق؟ فأقول: إنّ دين الله الذي تعبّد به عباده قد أوضحه في كتابه، وعلى لسان نبيه، وفي إجماع الفرقة المحقّة، وفي البرهان الإلهي بالعقل النّوراني.
فإن قلت: إنّ كلّ أحد يدّعي أنّ الحقّ معه في ذلك؟ فأقول: إنّ الدين الخالص من الخيالات الفاسدة لا يكون إلا مع الفرقة المتمسّكة بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّه هو المعصوم من الخيالات بالكلّيّة، وكلّ يدّعي من الفرق أنّه هو المتمسّك، فعلى هذا أن يرجع إلى الأصول التي افترقوا فيها التي تعمّ الجميع، فإن وجد فرقة سالمة من الباطل، وكل فرقة غير سالمة، لم يصح إلا أن تكون هي المتمسّكة بالحقّ؛ لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110] الآية، ثمّ قال تعالى في الصّحابة (: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:104] و"منكم" حرف تبعيض دلّ على أنّ المحقّة لا تكون إلا من بعض المسلمين المفترقين، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجتمع أمتي على ضلال»(1)، /517/ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة
(1) تقدم عزوه.