الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥١٦ويدينون بالرؤية لله جل وعلا، من يتولى هؤلاء الذين يبرؤون منهم الذين يدينون بنفي الرؤية لله جل وعلا، وكفى دليلا وبرهانا على إيضاح ضلالة هؤلاء أيضا بدينونتهم رؤية الله سبحانه جل وعلا خلافا لقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:103] أخبر الله - سبحانه وتعالى - عن نفسه لتقدسه بما قدّس به نفسه، وتنزهه عن صفات الذي يدركه الأبصار من التحديد والاتصال والحلول والنزول والارتفاع والانفصال والتكييف، ومن الأينبة والأعراض والجواهر والخيالات والمثالات؛ إذ لا يُرى إلا من كانت هذه صفاته، تخيلوا معنى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22،23]، وهذه الآية صفات المؤمنين لا صفات رب العالمين، فلما كانت الآية في صفات ربّ العالمين نفى الرؤية، وفي صفات المؤمنين الرؤية، دلّ على أنّ المعنى على غير ظاهره، وأنه وجوه يومئذ ناضرة؛ أي: باهية مسرورة؛ لأجل أنها إلى رحمة /519/ ربّها ناظرة.
فإن قيل: من أين هذا أتيت هذه الزيادة؛ لتصح به معنى لفظك؟ فأقول: من كتابه تعالى قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:22] فهل يوصف الله بالمجيء والمسير؛ فدلّ على أنّه وجاء أمر ربك هو المعنى، واستدلوا بسؤال موسى - عليه السلام - رؤية ربه، فلو لم يطمع بها في الأخرى ما استعجلها في الدنيا، وهو نبي لا شكّ أنّه أعلم من النّافين رؤيته، والجواب عن الله يدلّ على خلاف ما اعتقدوه؛ لأنّ قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف:143] فهو جواب قطع أنّه لا يراه في الدنيا أبدا، ثم أراد أن يدلّه على أنّ رؤيته مستحيلة، فقال: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:143] فلما نظر إلى الجبل جعله دكا، وخرّ موسى صعقا، فأجابه بحرف الاستقبال وهو سوف، والاستقبال لا ينتهي له حدّ، وأكثر