قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٥٢٢

وإن مثال ذلك كما ضربناه مثلا في رجلين أحسن إليهما ملك كريم، وأقامهما في أمواله وبيوته يأكلون منها رغدا، فدعاهما لأمر فجاء إليه وأقبل أحدهما عليه ليسمع كلامه إليه برزانة وثقل وخضوع معتدل، وإصغاء معتدل، وإقبال وجه على وجهه، وأدبر الآخر يسأل أبلها متبهتا، فهبت هذا نفسه، وقال له الملك: أقبل إلينا واترك هذه الأخلاق، فقال: لا حاجة بي إلى ذلك، وأقبل يهبت نفسه مثل ذلك، فما يكون حاله في تلك الحضرة مع أهل العقول منها، وما يكون عند من حاله منهم فيها هبيتا مثله، فأي الفريقين أكمل أخلاقا، /527/ فإن سمع إلى قولها نظر إلى مثال هذا الميلة نفسه، فرآه مثالا قبيحا مع حسن مثال هذا، فقالت: كذلك حالك ومثالك بحضرة الله تعالى بهذا اللباس الحسن الذي هو العلم، إذا أساءت الأدب في الحضرة الربانية لا يزيدك حسن هذا اللباس المعروف مع أهل العقول أنه عند ربك كرامة لك، وأنت مع هذا سيء الأدب إلا قبحا عندهم، وعند الملك وغضبا واستحقاق جزء، ولو كنت من غير المكرمين مع الملك بتلك المنزلة لكنت أقل قبحا، وأقل غضبا عليك، وأقل استحقاقا في الجزاء، فلا يزيدك الكمال الدنياوي من علم أو مال أو جاه مع سوء الأدب إلا خسارا، فإذا مثّل ذلك كذلك نفسه أذعن إليها، وإن لم يصغ لم ينظر بها إلى قبح ذلك من نفسه وإني فافهم.

وأما حقيقة الإيمان من الإنسان فهو صفاوة الغريزية للبصيرية بحقيقة الصفاوة، وهو علم وحال وعمل، فإذا علمت أن الكمال هو فيما تأمرها به، برؤيتها إلى كمال حسن ما تريها إياه من المثالات التي رأتها، والتي تمثّلتها، وتقريب ما رأته هي نفسها، علمت أن الحق والأكمل ما قالته لها، فإذا أثّر ذلك حال أرادت الطاعة لها فهو الحال، فإذا علمت بجميع ما أمرتها به، وأول ما تأمرها أن لا

١٬٣٣٣ / ٣٦٬٧٥٥