الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١١لا يحدّه المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات، وإنّه استوى على /4/ العرش؛ على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواءً منزهاً عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كلّ شيء إلى تخوم(1) الثرى؛ فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات ذو العرش، كما إنّه هو رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع كلّ ذلك قريب، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كلّ شيء شهيد، لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا يماثل ذاته ذات الأجسام، وإنّه لا يحلّ في شيء ولا يحلّ فيه شيء، تعالى أن يحويه مكان، كما تقدّس أن يحدّه زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما هو عليه كان، والله بائن من خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه، ولا سواه في ذاته، وأنّه مقدّس عن العوارض من التغيير والانتقال، لا تحلّه الحوادث، ولا تعتريه العوارض؛ بل لم يزل ولا يزال في نعوت الجلال، منزّها عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنيًا عن زيادة الاستكمال، وأنّه في ذاته معلوم الوجود بالعقول.
القدرة: وإنّه حيّ قادر، جبّار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وإنّه ذو الملك والملكوت، والعزّة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِي﴾ [الزُّمَر:67]، والخلائق مقهورون في قبضته، وأنّه المنفرد بالخلق
(1) التَّخْمُ منتهى كل قَرْية أَو أَرض، يقال: فلان على تَخْم من الأَرْض والجمع تُخوم، وقال الفراء تُخومها حُدودُها. لسان العرب: مادة (تخم).