الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١٥فصل: فأوّل ما يجب على العبد إذا بلغ وصحّ عقله، وزالت عنه الآفات في أوّل أحوال التكليف؛ أن يعرف خالقه، وأنّه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ ودليله على ذلك ما يرى من عجائب خلقه، ولطيف صنعه في نفسه وغيره، وأرضه وسمائه، وليله ونهاره، واختلاف أحواله، وما يشاهده بين السماء والأرض من الدلالات القائمة، والآيات الدّالة على وحدانيّته وجلاله.
وأوّل ما على العبد معرفة من افترض عليه المفترِض؛ لأنّه لا يؤدّي المفترَض عليه حتّى يعرف الذي افترض عليه الفريضة حقّ معرفته؛ لأنّه لا يجوز أن يتقرّب إلى من لا يعرفه، ولا يخضع ويعبد ويعمل لمن لا يعلمه، وأنّه لا يجوز أيضًا أن يعرف الرسل من لا يعرف المرسِل؛ لأنّه إنّما يطيع العبد الرسول إذا عرف المنعم عليه الذي تجب طاعته عليه، ورسله إليه، وواجب عليه اتّباعه وتصديقه.
وعلى كلّ عاقل بالغ أن يوحّد الله - عز وجل -، ولا يوحّده إلا من عرفه، وأقرَّ به، ومن لا يعرفه فلا يوحّده؛ بل يجحده، وإذا وحّد الله تعالى بأنّه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ فقد عرفه.
وأوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده نفي صفات التشبيه عنه بشهادة القول؛ لأنّ كلّ مشبَّه(1) موصوفٍ بالأشباه مخلوقٌ، وشهادة كلّ /9/ مخلوق، وأنّ له خالقًا لا يشبهه، ولا يوصف بصفاته، وشهادة كلّ صفة بالافتراق، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، والمعرفة بالله - جل جلاله - في قيام ولا قعود، ولا إياه وحدّ من اكتنهه، ولا حقيقة أصاب من مثّله، ولا صمّده من أشار إليه، ولا إياه عنى من
(1) هذا في ق. وفي الأصل: مُشيّة.