الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٢١بما يقرع سمعه من أدلّة القرآن وحججه، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وما يطلّع عليه من أنوار العبادات ووظائفها، وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم؛ فيكون أوّل التلقين كإلقاء البذر في أرض الصدر، وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له، حتّى ينمو ذلك البذر ويقوى، ويرتفع شجرةً طيّبةً راسخةً في الصدر أصلها ثابت وفرعها في السماء، ثمّ إذا وقع نشوء الصبيّ على هذه العقيدة مشروحة، ولم ينفتح له غيرها، ولم يطّلع على اختلاف الناس حتّى يميّز بين البدعة وغيرها، فاستمرّ على وظائف العبادات، واجتناب المحرّمات حتّى مات على ذلك؛ فإنّه ناجٍ في الآخرة إن شاء الله.
إذ لم يكلّف الرسول - عليه السلام - أخلاق العرب أكثر من التصديق بظاهر هذا الاعتقاد، وهو الإيمان بالله، وبرسوله، وبما جاء به أنّه حقّ من عند الله، وأمّا البحث والتفتيش على اختلاف الناس، وتكلّف نظم الأدلّة لذلك؛ فلم يكلّفوا لذلك أصلا، وإنّ سعادة التوفيق في سلوك طريق الآخرة؛ فمتى اشتغل العبد بالعمل، ولازم التقوى، ونهى النفس عن الهوى، واشتغل برياضة النفس والمجاهدة؛ انفتح له أبواب من الهداية، وانكشف له عن حقائق هذه العقيدة نور يقذف في قلبه بسبب المجاهدة، تحقيقًا لوعد الله تعالى؛ إذ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:69]، والله أعلم./15/
فصل: الدليل بأنّه تعالى ليس بجوهر متحيّز: إنّ كلّ جوهر متحيّز، فهو مختصّ بتحييزه، ولا يخلو من أن يكون ساكنًا فيه، أو متحرّكًا عنه، فالسكون والحركة حادثان؛ فما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
ولو تصوّر جوهر متحيّز قديم؛ لكان يعقل قدم جواهر العالم، وذلك محال، فثبت أنّه موجود قديم، وليس بجوهر؛ تعالى عن ذلك، والله أعلم.