الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٢٧وإن قلت: فجوهر هو؟ قلنا: إنّ الجوهر متغيّر، متحيّز، محيط به الهواء، محتاج إلى القرار والمكان، متحرّك أبدًا، ومن كان بهذه الصفة فليس بإله عظيم، على كلّ شيء قدير؛ لأنّ الجوهر لم يخل من المكان والحدود، وقبول الأعراض./21/
مسألة: والطرق إلى معرفة الله تعالى لا تحصى، وانظر إلى ما حكى الله تعالى عن الهدهد البهيميّ، كيف وحّد الله تعالى، واحتجّ على صحّة توحيده بهذا الدليل المذكور في الآفاق، قال الله - سبحانه وتعالى - حاكيًا عنه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل:25]، يعني: المطر والنبات، فاحتجّ بحدوث هذين الأمرين العجيبين المعلوم حدوثهما، مع تكرّرهما بحسب حاجة الجمع إليهما.
وكذلك قد قيل لبعض الأعراب: بم عرفت ربّك؟ فقال: البعرة تدلّ على البعير، وآثار الخطى تدلّ على المثير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، كيف لا تدلّ على العليّ الكبير؟!
وقد أشارت الرسل عليهم السلام إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:10]، وممّا استجيد في هذا المعنى قول زيد بن عمرٍو بن نفيل ?:
رضيت بك اللهمَّ ربًّا فلن أرى … أدين إلها غيرك الله ثانيًا
وأنت الذي من فضل منٍّ ورحمة … بعثْتَ إلى موسى رسولا مناديًا
فقلت لموسى اذهب وهارون … إلى الله فرعون الذي كان طاغيًا
وقولا له أأنت سويت هذه … بلا وتد حتّى اطمأنّت كما هيا
وقولا له أأنت سويت وسطها … منيرًا إذا ما جنّه الليل هاديًا