الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣١فإن قال قائل من أهل الإلحاد: أراك قد أبطلت على الأمم مقالتهم، وأزريت على أهل ملّتك في اعتقاداتهم، /25/ وزعمت أنّ الأشياء كلّها محدثة، وأّن لها محدِثا أحدثها، وصانعًا صنعها، لا يشبهها، ولا تشبهه، ولا يحلّ في شيء منها، ولا تحلّه، وأثبتَّه شيئًا لا كالأشياء، وحيًّا لا كالأحياء، وواحدًا لا كالآحاد، قديمًا، عالمًا، قادرًا، بجميع صفاته، وزعمت أنّه لا تكيّفه العقول، ولا تصوّره الأوهام، ولا تلحقه الأفكار، ولا تدركه الأبصار، فما أراك إلا وقد أبطلته، إذا زعمت أنّه شيء لا كالأشياء، وحيّ لا كالأحياء؛ فكأنّك قلت شيء لا شيء، وحَيّ لا حيّ، وإلا فاحتمل الآن سؤالي، وأجبني عن مقالي، بأوضح البيان، وأظهر البرهان؟ قلنا:-وبالله التوفيق- إنّما قولك: "أبطلنا الصانع" - جل جلاله -؛ إذ وصفناه بما يليق به من صفاته؛ فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك. وأمّا احتمال سؤالك؛ فسل تُجَبْ إن شاء الله.
قال: فأخبرني عن الأشياء إذا زعمت أنّها محدثة مصنوعة، فما الدليل على حدوثها؟ قلنا:-وبالله التوفيق- الدليل على ذلك: إنّا نظرنا إلى ما أدركنا من الأشياء، فوجدناه مجملا للتأليف والتبعيض، مفتقرًا إلى مؤلف اللغة، محتاجًا إلى أمور تقوم به (ع: بها) بنيته، فقلنا: لا يخلو هذا الذي أدركنا منه من أن يكون قديمًا أو محدثًا؛ فبطل أن يكون قديمًا لما شاهدناه من تعاقب الأعراض عليه، من الحركة والسكون، وما فيه من دلائل العجز والافتقار؛ إذ الحركة والسكون وسائر الأعراض حوادث، وما لم يسبق الحوادث فحادث مثله؛ لأنّ الجسم لا ينفكّ من حركة وسكون، فلمّا ظهرت فيه أعلام العجز والافتقار، والحدث؛ قضينا على /26/ ما غاب عنها منها بما أدركناه؛ لأنّه مساوٍ له في علته، فقلنا: لا يخلو بجميعه من أحد ثلاثة أوجه: