قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ٣٢

إمّا أن يكون أحدث نفسه؛ لأنّه لا يخلو أن يكون أحدث نفسه قبل كونه، أو بعد كونه، فإن كان أحدث نفسه قبل كونه؛ فهو معدوم، والمعدوم لا يحدث نفسه ولا غيره.

وإن قلت: بعد كونه؛ فقد فرغ من تكوينه؛ فبطل أن يكون المحدث، ولم يفعله أحد لاستحالة وجود الفعل، ولا فاعل له، والكتابة ولا كاتب لها، ولأنّ العالم كلّه على ثلاثة أشياء: حيوان عاقل، وحيوان غير عاقل، وجماد موات. فلو اجتمع الحيوان العاقل على إنزال قطرة، أو إنشاء ذرّة؛ لعجزوا، فإذا عجز الحيوان (ع: العاقل)؛ فغير العاقل أعجز، فإذا عجز العاقل وغير العاقل؛ فالجماد أبعد وأبعد، فلمّا بطل هذان الوجهان؛ لم يبق إلا أنَّ له محدثًا أحدثه، وخالقًا خلقه لا يشبهه في صفة من الصفات؛ لأنّه لو كان ذلك؛ لدخل عليه العجز مثل تلك الصفة؛ ولأنّ الصنعة لا تشبهه (ع: تشبه) الصانع علمًا عقليًّا ضروريًّا.

فإن قال: فأخبرني كيف خلق هذه الأشياء؟ ومن أيّ شيء أخرجها؟ قيل له: إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأشياء لا من شيء، ثمّ خلق بعضها من بعض، فلو خلقها من شيء؛ لاحتاج ذلك الشيء إلى شيء آخر /27/ يخلق منه، فيتّصل ذلك إلى ما لا نهاية له، ولا غاية، فلو أحدثها من نفسه؛ لكانت تشبهه ويشبهها - عز وجل -، ولكنّه خلقها لا من شيء، ثمّ يفنيها إلى غير شيء.

فإن قال: فكيف يخلق هذه الأشياء المختلفة من الوحوش والطير، والدوابّ والبشر، ثمّ يفنيها إلى غير شيء؟! قيل له: إنّا وجدنا أشياء كثيرة من الأجساد الهالكة، والنيران، والغنى والفقر، وغير ذلك طفئت النيران فذهبت، وهلكت الأجساد فبليت فصارت لا شيء، وكذلك الأحداث الكائنة من العزّ والذلّ، وغير ذلك اضمحلت، فصارت لا شيء.

١٬٣٦٧ / ٣٦٬٧٥٥