الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٣وإن قال: فإذا ثبتت أنّ الأشياء مخلوقة، وأنّ خالقها لا يشبهها، ولا تشبهه؛ فأخبرني عن خالقها؛ أَوَاحِدٌ هو أم اثنان؟ قيل له: إنّ محدِث الأشياء واحد ليس معه ثانٍ، فلو كان معه غيره؛ لكان لا يخلو أن يكون كلّ واحد منهما يقدر أن يفني صاحبه، أو لا يقدر، فإن كان كلّ واحد منهما قادرًا على إفناء صاحبه؛ كانا ضعيفين جميعا، إذْ كلّ واحد منهما مقدور لصاحبه، مقهور ذليل، والذليل المقهور لا يكون إلهاً، وإن كان أحدهما قادرًا على صاحبه، قاهرًا له؛ فالقادر والقاهر هو الإله، والمقدور الذي تجري عليه قدرة القادر هو مخلوق ذليل مقهور.
فإن قال: فإذا ثبت أنّه واحد؛ فما /28/ معنى قولك: واحدًا هو كما يقال للجوهر: إنّه واحد، وإن كان أجزاءً مفترقةً؟ قيل له: تعالى عن ذلك.
فإن قال: كما يقال للأشياء المجتمعة: حيّة واحدة؟ قيل له: لا.
فإن قال: كما يقال للجوهر الواحد في عينه واجتماعه؟ قيل له: فإن قال: فما معنى قولك "الله واحد" إذا أبيت عن هذه المعاني؟ قيل له: معنى قولنا؛ أي "الله واحد": لا كواحد الأشياء التي شاهدنا؛ وذلك أنّا شاهدنا أنّ الواحد من الأشياء على ضربين: إمّا واحد في اسمه، متجزّئ في معناه، أعلام التدبير فيه ظاهرة، أو يكون جزءًا واحدًا في عينه، ولو كان أقلّ قليل؛ لكان محتملا للصنعة؛ لأنّه لا يخلو من [أن] يكون محاطًا به، متحرّكًا أو ساكنًا؛ يحتمل أن يضمّ إليه أمثاله ذا جهات مختلفة. فنفينا عن الله أن يكون واحدًا في اسمه، متجزّئًا في معناه؛ لأنّ المتجزّئ متفاضل الأجزاء؛ بعضها أفضل من بعض، فيدخل عليه النقص في الأجزاء المفضولة. فما كان ناقصًا غير تامّ؛ فليس بإله، فأثبتناه واحداً في ذاته، واحدًا في صفاته، واحدًا في فعله؛ أي: لا ذات كذاته، ولا أحد يوصف بصفاته، ولا أحد يفعل كفعله.