الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٥لاستحالة حدوث الأشياء بغير محدِث، وبطل أيضًا أن يكون هو الذي أحدثها لنفسه؛ لأنّه لو كان ذلك جاهلا (ع: ميتًا) قبل حدوثه، والميت لا يحيي نفسه، ولا غيره، وبطل أن يحدثها غيره؛ فلمّا بطلت هذه الوجوه الثلاثة؛ وجب القول: إنّه - عز وجل - لم يزل حيًّا بذاته، ولا يقال لله - عز وجل -: حيّ لا كالأحياء والأموات، ولا حيّ لا كالأموات، ولا حيّ لأنّ التشبيه لا يقع بين الحياة والموت. ولا يقال: حيّ من الأحياء، ولا حيّ لا من الأحياء.
وقال بعض العلماء: معنى الحيّ: إشارة إلى أنّه الفعال.
فإن قال: ما الدليل على أنّه لم يزل حيًّا؟ قيل له: وجوده قبل خلقه، وابتداؤه إياهم دلّ على أنّه لم يزل حيًّا؛ لأنّ الميت لا يحدث شيئًا، والأموات استحالت منهم الأفعال.
وكذلك القول في عالم؛ أي: إنّه ليس بجاهل، ولم يجهل قطّ، ولا يجري عليه أن يجهل. والقول في كلّ صفة من صفاته - عز وجل - التي هي الكلام، والسّمع، والبصر، والإرادة، والقدرة، والعظمة، والكبرياء، والعلوّ، وجميع صفات الذات، كالقول في الحياة والعلم؛ فمهما سمع سامع بأنّ الله حيّ، أو عالم، أو قادر، أو كبير، أو عظيم في جميع ذلك، ولم يعتقد ما قلنا من أنّه لم يزل، وأنّه لا يزال كذلك؛ كان جاهلا بصفات ربّه - عز وجل - معتقدًا بأنّه على صفة الخلق؛ لأنّ الخلق إذا وصف بصفة من تلك الصفات كان لا يكون لم يزل بتلك الصفة، /31/ ولا يكون أن يكون لا يزال عليها، ولا يزول؛ لأنّ جميع صفات المحدث المخلوق محدثة إليه، كائنة بعدما لم تكن زائلة بعدما كانت، وسيأتي شرح الصفات في موضعها إن شاء الله.