الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٥٦وفي قول أهل المعاني والبيان: إنّ كلّ ما كان من الأقوال مقرونًا بالأفواه والألسن؛ فهو من الزور؛ لعدم ما له في الحقّ من برهان في هذا الموضع، بل في كلّ مكان، فكيف يجوز أن يصغى إليه فيعول عليه، وأحقّ ما به أن يمنع من جوازه فيدفع؟! ومن وراء هذا كلّه فقد أخبر عنهم - عز وجل -؛ بأنّهم قد ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:31]. وهذا ما لا خفاء في بطله؛ لأنّ الأحبار؛ هم العلماء من اليهود، والرهبان؛ هم العبّاد من النصارى؛ أصحاب /146/ الصوامع المنفردون عن العباد. وقيل: كلاهما من اليهود. وفي قول عكرمة: إنّ المراد به ما هم عليه من السجود لبعضهم بعض. وفي قول آخر لغيره من المفسّرين: إنّهم لم يتّخذوهم آلهة ولا عبدوهم في شركه معه، ولا على الانفراد، ولكنّهم أطاعوهم فيما يقولونه من تحريم ما أحلّه تبارك وتعالى، وتحليل ما حرّمه، ولم يخالفوهم فيما يأمرونهم به من معاصي الله؛ كأنّهم -مع ما هم فيه من الفساد- أرباب لهم، مالكون لأزمتهم؛ حتّى لا يقدروا على غير الانقياد، وما أمروا في نصّ إلهي ولا في سنّة نبيّ، ولا قول تقيّ، إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا؛ هو الله لا غيره، فإنّ ذلك من حقه، فَأَبَوْا إلا أن يجعلوا له شريكًا من خلقه - سبحانه وتعالى -؛ تنزيها له عمّا يشركون به من شيء؛ فإنّه قد نزّه نفسه أن يكون كمثله شيء، فكيف يجوز أن يصحّ لهم ما يدّعون؟! إنّهم في هذا ونحوه، ألا يخرصون عن الشريك وجلّ أن يرضى من الأعمال؛ إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، ولعلّي أن أقول في الضمير: إنّه في هذا الموضع للمتّخِذِين (بكسر الخاء والذّال المعجمتين).
وعلى قول آخر: فعسى يجوز أن يكون في عودة للمتّخَذِين (بفتح الخاء وكسر الذال)؛ لأنّهما من المتعبّدين بالأمر والنهي؛ فلا يصحّ أن يكونوا معبودين.