الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٥٧والمسيح والعزير وجميع ما خلا تبارك وتعالى جدّه؛ ليس هو في نفسه لا عبده؛ فأنّى يجوز لأحدٍ أن يتّخذه ربّا يعبده، أو أن يطيعه فيما به يأمره من معاصي ربّه، ولما كانوا على ما وصفهم من زور الأقوال، ومحرّم ما يأتونه من الأفعال. وأراد أن يحتجّ عليهم فيظهر /147/ لهم باطل ما هم فيه من الأحوال؛ لينجّي من اتّبع، ويهلك من أبى أن يرجع عمّا به من الضلالة، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغهم ما قد أنزله في هذا إليه، فقال تعالى في موضع آخر: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:64] في عموم.
وقيل: في خصوص لمن حضره من يهود المدينة ونصارى نجران؛ إلا أنّه وإن كان ذا؛ فلا بدّ وأن يعمّ من قد بلغ إليه لفظًا أو معنى؛ فدلّه عليه، وإن لم يسمع نفس النداء، ولا ما أتبعه لهم من الدعاء؛ بأن تعالوا إلى كلمة جامعة؛ إلى ما تحتها من جملة "سواء"؛ أي: عدل بيننا وبينكم، في حكمها لا يختلف في ثبوتها؛ لازمة عن أمر الله في كلّ زمان؛ على من بلغته فعرفها في أيّ مكان، وهي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:64]؛ فإنّهما من الحرام، وعسى في هذا الاتخاذ أن يكون أراد به على قول ما هم عليه من السجود لبعضهم بعض؛ فإنّه من حقّ الملك المعبود.
وعلى قول آخر في معناه: أن لا نطيع في معصيته أحدًا من العبيد، فهما في تأويله وجهان؛ إلا أنّ الأوّل أخصّ، والثاني أعمّ؛ لما فيه من زيادة عليه، وكلاهما محرّمان؛ لأنّه قد تفرّد بالإلهيّة، فعزّ أن يقبل الشركة معه في العبادة؛ لأنّها من لوازم حقّ الربوبيّة.